وكان أبو الأسود الديلي وأسمه ظالم بن عمر، وبن جندل ابن سفيان خطيبًا عالمًا وكان قد جمع شدة العقل. وصواب الرأي. وجودة اللسان وقول الشعر والظرف ومنهم زياد بن ظبيان التميمي العاشي وكذلك ابنه عبيد الله كان أفتك الناس وأخطب الناس. ومنهم صعصعة بن صوحان من خطباء الخوارج وعبيد الله بن زياد ويضرب به المثل. وكان عثمان بن عروة أخطب الناس وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبًا شاعرًا، وفصيحًا جامعًا، وجيه الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء.
ومن خطباء قريش خالد بن مسلمة المخزومي وهو ذو الشفة ومن خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة وهو كان الخطيب عند النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الخطباء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان مع ذلك راوية ناسبًا شاعرًا. وكان الجارود بن أبي سبرة ويكنى أبا نوفل من أبين الناس وأحسنهم حديثًا وكان راوية علامة شاعرًا مغلقًا. ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عباس ذكره حسان بن ثابت فقال:
إذا قال لم يترك مقالًا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فضلًا
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي أربة في القول جدًا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقة ... فنلت ذرها لا دنيا ولا وغلا
ومن خطباء بني هاشم أيضًا داود بن علي وكان يكنى أبا سليمان. وكان أنطق الناس وأجودهم ارتجالًا واقتضابًا لقول ويقال أنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط وله كلام كثير معروف محفوظ. ومنهم عبد الله بن الحسن. ومن خطباء بني هاشم ثم من ولد جعفر بن سليمان سليمان بن جعفر والي مكة قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون انه لم يرد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام غلا وسليمان لبين منه قاعدًان وأخطب منه قائمًا. وكان داود بن جعفر إذا خطب استحقر ومضى مسرعًا فلم يرده شيء وكان في لسانه شبيه بالرثة وكان أيوب فوق داود في الكلام والبيان ولم يكن له مقامات داود في الخطب. وكان إسماعيل بن جعفر من أدق الناس لسانًا، وأحسنهم بيانًا. ومن خطباء بني هاشم جعفر بن الحسين بن علي وكان أحد من ينازع زيدًا في الوصية فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوبتها فقط وجماعة من ولد العباس في عصر واحد لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي، وفي الكمال والجلالة وفي العلم بقريش والدولة، ولأقدار الرفيعة، وكانوا فوق الخطباء،