المطلوب على أيسر وجه، فالتلميذ الذي لم ترب ذاكرته في هذا المعنى بتمارين خاصة لا يكون ما وعاه من الأفكار إلا هاجعًا نائمًا صعبًا على الانبعاث لا تجيبه عند الدعوة وتستعصي عليه إبان الحاجة، ضع للتلميذ سؤالًا في المسائل التي تغلب عليه معرفتها يرتبك ولا يذكر الجواب وليس هو في متسع من الوقت يستخرج فيه من أعماق قلبه ما سبق له وعيه، سله أن يورد لك بعض الأمثلة من أكثر المسائل تداولًا فلا تكاد تأخذ جواب مسألة أو اثنتين إلا بعد اللتيا والتي فعلمه غير حاضر معه، وهذا من العيوب المؤسفة جدًا ولاسيما في الحياة العملية التي يجب للمرء حضور ذهن ليتخلص من المآزق وينجو من المضايق، فذاكرة الذكي والحالة هذه هي التي تورد في الوقت المطلوب ما يطلب إليها إيراده، لا جرم أن هذه الخاصية من الخواص التي تولد مع المرء ولكن يتيسر تنميتها بالترويض والتمرين.
ليست المخيلة من القوى التي تطلب لجمالها بل لها منفعة خصوصية على أننا يجب أن نكون على مثل اليقين بأنها لا تقوى بدون ذلك فبالمخيلة يتيسر لنا أن يسبق تفكرنا أعمالنا وبهذا نطلع على الاحتمالات المختلفة في المستقبل فهي ضرورية لإنسان ذكي، تجد المخيلة عند معظم الأولاد حادة للغاية فهم يحبون أن يتمثلوا الأشياء في أذهانهم ويجعلوها مسلاة لهم بل لهوًا ولعبًا فيخترعون من أنفسهم صورًا ليتلذذوا بالنظر إليها في باطنهم وكل فرصة تمكنهم من استخدام هذه القوة وترويضها يفرحون بها ويبسمون للقياها وهذا التبسم من التربية العقلية يسهل عليهم لأنها مستميلة لقلوبهم جامعة لأهواء نفوسهم وبهذه الطريقة يثق المؤدب من حسن الإرادة من يؤدبه، لا بد للتصور بادئ بدءٍ من مواد يقتنيها ومن المعلوم أنه مهما بلغت حاسة الاختراع فينا لا نتمكن من الإبداع العقلي إلا بصور ننتزعها من الحقيقة فكل ما فينا من إرادة يكتفى بتحويله قليلًا وترتيبه على صور منوعة فنحن لا نستطيع أن نتصور أمرًا إذا لم يسبق لنا رؤية مثال منه، والأقوال مهما بلغ من سلطانها على نفوسنا لا تكون إلا إلى العجز في إدراكنا أمرًا أيًا كانت منزلته إذا لم تذكرنا بشؤون من عالم الحقيقة يتأتى إدراكها مباشرة.
فالواجب إذًا تزويد الطفل بتصورات عقلية واسعة المادة، أره كثيرًا من الأشياء تجلب بها دهشته وربما لا تجد منه ارتياحًا إلى ما أنت ملقنه إياه ولا اطمئنانًا إلى ما تحسنه له فهو