عليه في المدرسة، فيا سعادة من يكبر في بيئة ذكية وينمو عقله فيها بذاته بمجرد اشتراكه بالحياة العامة وبهذا ثبت معنا أن لا تربية تقوم مقام التربية التي يراها الطفل خارج المدرسة مما يفتح ذهنه ويعوده النظر والبحث والنشاط وينمي ذهنه بما يتوفر عليه من تمرينه المتواصل فيما يحتاج إليه في حياته ونعني به الذهن العملي.
لا جرم أن تربية الأولاد في المدارس الداخلية لا تخلو من عيوب تتعذر ملافاتها فهي نافعة في تنظيم العمل ومعودة للطفل على الصبر في مضمار الدرس ولكنها لا تفيد إلا فيما ينتج جمع المعارف أما إذا كان يطلب منها أعداد ذكاء الأطفال ليحسن به الانتفاع فطلب باطل لما عرف من الفروق بين وجوه الأولاد الداخليين والأولاد الخارجيين في المدارس فسحنة الولد الخارجي أكثر انتباهًا ونظره أبعد مرمى وإذا قلّ عمله ودرسه بالنسبة للتلميذ الداخلي فهو أنجح في التمارين التي تطلب ذهنًا صافيًا وعقلًا حاضرًا حتى إذا أنجز دروسه زمان الدراسة ودخل معترك الحياة يجد نفسه أكثر ملاءمة معها فلا يثقل عليه الجهاد فيها لأنه كان أقرب إليها ولم ينفصل عنها كما انفصل تربه الداخلي الذي يكون قضى وقته في حياة صناعية أو مصنعة منعزلًا عن الناس بعيدًا عن المجتمع اللهم إلا اجتماعه مع أولاد من سنه فكيف بعد هذا يهتم بحوادث الحياة الخارجية وبحركة الأفكار وبالوقائع العظيمة التي تجري في العالم وتضطر العقول مهما بلغ من إهمالها أن تفكر وتدبر.
لا يكاد يصل إلى التلميذ الداخلي من حوادث الكون إلا المبهم الغامض وما من يحدثه بما يجري في القرب والبعد وإني لأعرف تلميذًا داخليًا أخبر ذات يوم أن روسيا تحارب اليابان منذ أشهر فلم يدهش لهذا الخبر وبذلك تبين لعلماء التربية أن حياة المدارس الداخلية بما فيها من عزلة العقل تخدر قواه وإذا قدر لها أن تتمرن ففي ميدان ضيق جدًا وأعني بها دروس المدرسة فقط ومن أجل هذا نقرأ في وجهه ضربًا من البلاهة ومثال الملل الذي لا يعلل والإهمال وقلة الاهتمام الذي يدخل في حياته نقصًا ومن الأسف أن ذلك أكثر فشوًا في الطلبة العاملين منه في الطلبة الخاملين وفي المأخوذين بدروسهم منه في المتساهلين بها فهم الذين يبوّون بسيئات المدارس الداخلية، أما المضار الأدبية الناشئة من تربية الأولاد في المدارس الداخلية فمقررة عند علماء التربية فتربية الطفل في المدارس الخارجية هي التي يأخذ منها رأس ماله العقلي وذكاءه العملي الذي لا يتكون إلا بدروس الحياة نفسها وما عدا