قف بها وقفة تردد عليها ... أدمعًا ردها الجوى أنضاء (1)
قوله: «نضو شجو ما لمت فيه البكاء» من المقلوب، وكان يجب أن يقول: ما لمته في البكاء؛ فقال: ما لمت البكاء فيه.
ومثل هذا الشعر كثير، وإنما كان يصدر عن العرب على سبيل السهو، ولا يسوغه متأخر، ومنه ما هو حسن، وقد جاء مثله في القرآن.
فإن قيل: إن لفظ البيت مستقيم، وهو (2) مستغن بمعناه ولفظه عن أن يتأول فيه القلب، وذلك أن البكاء ليس هو شيئًا غير سكب الدموع، وجريها على الخدود، فكما تلوم العين بكاها، وتلوم الدمع على انحداره مجازًا، فكذلك تلوم البكاء مجازًا.
قيل: هذا عدول عن القياس وصحيح التمثيل، وإنما كان ينبغي أن يقول: فكما تلوم انحدار الدمع الذي هو البكاء، فكذلك تلوم البكاء، هذا وجه المعارضة، فإن كنت تلوم انحدار الدمع فقد صح اعتراضك، وإن كنت لا تلومه، وهو البكاء، فلم تلوم البكاء.
ومع هذا فقد جرت العادة بلوم العين على البكاء، ولوم الدمع على الانحدار، ولومها أيضًا على الامتناع، وقالت الشعراء في ذلك ما هو معروف مشهور، ومنه قول متمم بن نويرة يبكي أخاه مالكًا:
عذرتك يا عيني الصحيحة في البكا ... فما أنت يا عواراء والهملان (3)