الصفحة 102 من 146

لتعدد القدماء، وكتأويل بعض الصفات فرارًا من التشبيه، وكنفي خلق الله لأفعال العباد لتوهم ما في القول بذلك من نسبته إلى النقائص والظلم، ونحو ذلك مما هو معلوم.

وهذه المسائل ونحوها لا يكفر من وقع فيها أو في شيءٍ منها إلا ببلوغ الحجة التي يقطع معها بانتفاء الشبهة، وزوال الالتباس، كما وضحه أهل العلم.

ومما جاء في كلام أهل العلم يوضح افتراق حكم التكفير بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية:

قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (مسائل الدِّق في الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة، إذ لو كان كذلك لما تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد ينكر الشيء في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص، وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع: أن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سميت تلك مسائل أصول وهذه مسائل فروع، فإن هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة، وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها، فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع، فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر كما أن من جحد هذه كفر، وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية، بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره، وأما الأعمال الواجبة فلا بد من معرفتها على التفصيل، لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة [1] .

فتأمل قوله: (بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع) ففيه إثبات تقسيم مسائل الدين إلى مسائل أصول ومسائل فروع، والفُرقان هو الظهور والخفاء كما توضح.

وقال أيضًا رحمه الله: (وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من

(1) مجموع الفتاوى (6/ 56 - 57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت