لم يحدث أن صار الحوار حول صواب الاختيار أو عدمه، المنافقون هم الذين قالوا لهم ألم نقل لكم؟ {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} ، هذا النفاق، لذلك أنا لا أعيب أي جماعة تقاتل أعداء الله، حتى في أخطائهم، هذا اختيار يتحمَّلون نتيجته، وإذا وقعت عليّ يجب أن أكون مسلمًا. وقُتل في أحد ممن اختاروا أن يكونوا في المدينة ولا يخرجوا، لكن ما جعلوا يعيبون على من أخرجهم، ولا يعيبون قرار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم مع أنه مخالف لطلبه، ومخالف لما أحب، لكن من الذي صار يعالج ويعاتب؟ المنافقون.
هذا المشهد الذي ترونه في سورة آل عمران ارجعوا إليه.
وهذه مسألة صعبة القول لكنها ضرورية؛ كنت أحاول أن أقرّب الصورة لأنها معقَّدة: أنا أعتقد بأن ما حدث في تاريخ الحركة الإسلامية -ليس الإخوان وإنما الحركة الإسلامية عمومًا، المسلمون والعلماء والجماعات- كلها كانت أقدارًا إلهية لخدمة هذا الدين، حتى الهزيمة في أحد أقدار لخدمة هذا الدين، حقَّقت خيرًا عظيمًا، والناس عرفوا ما جهلوه، والدنيا هكذا فيها مثل هذا، ما دامنا نعيش هذا الواقع المعقد.
تبقى هذه الكلمة الأخيرة أضعها سدادة على هذا الموضوع: حتى الذين أخطأوا كان خطؤهم مُسيِّرًا لدين الله -عزَّ وجلَّ- إلى مستقره الذي يحبه الله -عزَّ وجلَّ-.
هذا في قضية الرد على الاستعجال، وأن الحركة لم تحقق شيئًا وأنه حدث كذا وكذا إلى آخره، وكل هذا لا نتكلم عن تصرفات شخصية لأناس سقطوا في الطريق وانضموا لجهة الباطل، فهؤلاء الحديث لا يدخل فيهم، والحديث حولهم هو كالحديث عن المنافقين في أحد! الذين تركوا الطريق، وذهبوا للجاهلية وتمالؤوا معها.
وهنا سأفتح بابًا مهمًا جدًا؛ طرحت موضوع التربية قديمًا وقلت أن التربية هي أن تقذف أتباعك في الحياة، والتربية لابنك ألَّا تعزله عن الوجود فإذا خرج للوجود صُدم، نحن نريد النبي المقاتل، نحن نريد الإسلام المقاوم، اقذفه في الحياة، اقذفه ليعيش، اقذفه ليتعلم، ولا تقل: هذا قضاء علي، هذا ليس قضاءً عليك، القضاء على جماعتك ليس قضاءً على الإسلام، أنت لست الإسلام، لست أنت رسول الله إذا قُضي عليك قُضي على الإسلام، هذا الإسلام كل من عاش فيه حقَّق خيرًا فيه إلا من انقلب إلى الجاهلية وانقلب إلى الطواغيت فهذا لا حديث حوله.
من محاسن هذا الكتاب -وإن كان الأستاذ لم يذكر الأمثلة ولكنه معذور-، من مصائب الجماعات الإسلامية التي أوبقتهم: جاهلية التحالفات؛ التحالف بين الإسلام وبين غيره مدمِّر! ولو التجأ هؤلاء للقرآن لوجدوا الحل: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} .