فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 715

إذا أراد المرء أن يُترجم الشعر بالشعر فإنه إما أن يجني على المعنى وإما يجني على المغنى، وإذا أراد أن يترجم المعنى فقط ترجم الشعر، ولذلك الشعر لا يُترجم، ويحتاج إلى شاعر يسرق الشعر، وهذه سرقة ممدوحة؛ كانوا يقولون: كان جرير يسطو على الشعراء فيسرق سرقة لا توجب القطع؛ يعني شاعر قال شعرًا لكنه بعيد عن طريقة جرير، حتى أن المتنبي -مع أنه حكيم الشعراء- يزعمون أن عامة شعره مسروق، لكنها سرقة جميلة؛ لأنه يأخذ الفكرة الصغيرة التي لم يستطع الشاعر الآخر الإبانة عنها ولا تجليتها ولا تزيينها وتوشيحها بالكلمات الجميلة الرائعة، فيأخذ الكلمة ويُنشئ فيها الحكمة البيّنة المضيئة، ويوشّيها بالألفاظ الجميلة فكأنها خلق جديد، هذه سرقة لا قطع فيها، سرقة ممدوحة جيدة والناس يعرفونها.

إذًا أولًا: الشعر لا يُترجم، متى تستطيع أن تترجمه؟ حين تسرقه وتنسبه إليك وتصيغه الصياغة الجميلة.

والشعر الجميل وقف عنده النّقّاد؛ متى يكون الشعر جميلًا؟ نشأت نظرية النَّظْم عند عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- في كتابه (أسرار البلاغة) الجامعة بين النظم والمعنى. وقبله الجاحظ قال: الجمال يكمن في الألفاظ لا المعاني، وقال: المعاني مثل الحجارة فوق الأرض والعالم يأخذها فيصيغها. صاحب (المثل السائر) ابن الأثير قال: إنما هي المعاني لا الألفاظ، وعبد القاهر جمع بينهما وقال لا بد من الألفاظ والمعاني. ولكن يبقى للشعر سحره وأثره، وله ميزانه الذي يترقَّى به، قواعد كثيرة، وكان الناس قديمًا لا يعدُّون الشاعر حتى يقول الحكمة.

إذًا الشعر هو صناعة، مع أنه شعور، ومن هنا نأتي إلى النقطة الثالثة: هل الشعر فكر؟ الجواب نعم.

إذًا الشعر لا بد أن يُتغنّى به ولذلك لا تنفع القراءة الصامتة، ما هو السبب لئلا تنتفع بالشعر ولا تفهمه حين تقرأه؟ لأنك تقرأه كما تقرأ الجريدة وهذا لا ينفع، لا بد أن تصنع كما يصنع السلف إذا جمعوا الأحاديث كانوا يذهبون إلى بيوتهم ويجمعون إماءهم وخدمهم ويلقون عليهم الأحاديث وهم عجم، أنا لا أقرأ لك أقرأ لي حتى أحفظ. لكن إياك أن يقع فيك كما وقع لغيرهم، أحد الأئمة كان جالسًا على النيل يقطّع بيت شعر: فاعل مفاعل مفعول، فمرّ عليه أعرابي فقال هذا يسحر النيل، فرماه في النيل فقتله!.

فالشعر لا يُترجَم، وإذا أراد الشاعر أن يترجم الشعر فعليه أن يسرقه، وبين أيدينا نموذج للشعر المسروق، صحيح أنه شعر إقبال لكنه شعر مسروق. إذًا هذا تاريخ إقبال مع قضية انتشاره في العالم، ثم الناس غنوا هذا الشعر كثيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت