أضرب لكم مثالًا، دخلت مكتبة رجل، ينتسب لمرتبة الدعاة، والدعاة هي مرتبة وسط بين القُصَّاص وبين طلبة العلم. هناك قُصّاص ودعاة وفقهاء، لم تكن كلمة"دعاة"قديمًا، كان إما قُصَّاص أو محدِّثون، أو فقهاء إلى آخره. زرته في بيته، وأول ما أستطلع به المكتبة، نظرت فما وجدت كتاب أصول، ولا حتى كتاب عبد الوهاب خلاب (أصول الفقه) ، لم أجده في مكتبه، والكتب الأولين، ففي الغد ذهبت أنا وهو إلى المكتبة وأول ما وجدت كتاب (المحصول) للرازي، قلت: هذا كتاب جيد، قال لي: لمن هذا؟ فنظر فإذا مكتوب عليه الرازي، قال لي: أليس الرازي هذا الذي ردَّ عليه ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل) ؟ قلت: نعم، قال: لا أريده!، فهو أغلقه لمجرد أن ابن تيمية رد عليه في (أساس التقديس) ، وهي أصول قواعد المتكلمين في العقائد، ويقول ابن تيمية هو أفضل كتاب يتكلم عن عقائد المتكلمين فاختاره للرد عليه، في (درء تعارض العقل والنقل) ، وهو كتاب أصول، كيف لو قدَّمتُ له كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي؟! هذا إذا عرف من هو الآمدي، المشكلة هو عرف الرازي من خلال ابن تيمية، وإلا فهو لا يعرف الآمدي، بعضهم لا يعرفه إلا من خلال (الإحكام في أصول الأحكام) ، والآمدي فيلسوف على طريقة المشَّائين، وكتابه في الأصول هو أحد كتب عمد الأصول عند المتكلمين.
فيجب علينا أن نعرف الكتاب ما هو منهجه؟ وما هي خارطته باعتبار نفسه بعيدًا عن الكاتب باعتبار صورته ما هو، وإلا إذا طبَّقنا طرائق بعضهم من المعاصرين حرقنا كتب السنة، كما قام بعضهم بإحراق (فتح الباري) ؛ لأن ابن حجر أشعري!، وهذا ما كنت أصدقه، ما ظننت أحدًا ممن يُسمّى في خلق الله بالإنسان أن يأتي إلى (شرح صحيح المسلم للنووي) ويحرقه، ويزعم أنه من طلبة العلم!!
وهذه لم يفعلها قد أحد من الأئمة، أبدًا، قد يقول قائل أن الإمام مالك ينفِّر من أهل البدع، نقول: الإمام مالك كان في زمنه المحدِّث من أهل السنة، والفقيه من أهل السنة، وصاحب العقيدة لأهل السنة، لماذا يذهب إلى أهل البدع؟ أما اليوم إذا أردت الفقه يجب أن تذهب إلى من هو أشعري، وإذا أردت اللغة يجب أن تذهب إلى من هو صوفي، وإذا درست العقيدة يجب أن تذهب إلى من هو سلفي وهو من أجهل خلق الله في الفقه أو اللغة، إلى آخره، فالعلوم قد افترقت، وشيخ الإسلام له نص في (الفتاوى) ، يقول أنه تلقَّى العلم عن آبائه وفيهم بدع، يقول: لما نشأت في بداية الطلب كان في آبائي مذهب؛ ويقصد الإمام بذلك أن عامة الحنابلة في زمنه، كان مذهبهم هو التَّفويض، فكان مذهب آباء ابن تيمية، من زمن ابن قدامة يقرِّرون أن مذهب أهل السنة هو التفويض، أي تفويض المعنى، وهو خلاف أهل السنة فأنكره. ومع ذلك فمن أين أنتج ابن تيمية علومه