فلما كان يوم التروية أحرم المُحلون بالحج وهم ذاهبون إلى منى، فبات بهم تلك الليلة بمِنى، وصلَّى بهم فيها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر. ثم سار بهم بعد طلوع الشمس إلى عرفة على طريق ضَبّ [1] ، فلما زالت الشمس خطب بهم وهو على راحلته، وبيّن لهم أحكام الوقوف، والدفع، وما يحتاجون في ذلك الوقت، ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين، ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة، واستقبل القبلة، ووقف تجاه الجبل، وأقر الناس على مواقفهم، فلم يزل في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس، فدفع بهم إلى مزدلفة، فصلَّى المغرب والعشاء بعد مغيب الشمس قبل حطِّ الرحال حيث نزلوا بمزدلفة، وبات بها حتى طلع الفجر، فصلّى بالمسلمين الفجر بأول وقتها مُغَلِّسًا بها زيادة على كل يوم. ثم وقف عند قُزَح ـ وهو جبل مزدلفة الذي يُسمَّى: المشعر الحرام ـ فلم يَزَل واقفًا بالمسلمين إلى أن أسفَر جدًا. ثم دفع بهم حتى قدم مِنَى فاستفتحها برمي جمرة العقبة، ثم رجع إلى منزله بمِنَى فنحر هديه وحلق رأسه. ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة. وكان قد عجَّل ضَعَفَة أهله من مزدلفة قبل طلوع الفجر فرموا الجمرة بليل.
ثم أقام بالمسلمين أيام منى الثلاث يصلي بهم الصلوات الخمس
مقصورة غير مجموعة، يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس،
يستفتح بالجمرة الأولى ـ وهي الصغرى، وهي الدنيا إلى مِنى، والقصوى
من مكة ـ ويختم بجمرة العقبة، ويقف بين الجمرتين الأولى والثانية، وبين الثانية والثالثة وقوفًا طويلًا بقدر سورة البقرة، فإن المواقف ثلاث: عرفة، ومزدلفة،
ومنى.
(1) - قال البكري: «ضب: بفتح أوله وتشديد ثانيه: اسم الجبل الذي مسجد الخيف في أصله» اهـ. معجم ما استعجم 3/ 854. وقال بعضهم: «وطريق ضب يبتدئ من أول المأزمين على يمين عرفة ... والمأزمان: مضيق بين المزدلفة وعرفة» اهـ. حجة الوداع للكاندهلوي ص95.