الصفحة 11 من 34

ومنها أن بعض الشر أهون من بعض ; فحين اتفقوا على التفريق بين يوسف وأبيه ورأى أكثرهم أن القتل يحصل به الإبعاد الأبدي: {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين} [سورة يوسف: الآية 10] فخفف به الشر عنهم ولهذا لما وردت السيارة الماء وأدلى واردهم دلوه تبشر بوجوده وقال: {هذا غلام} [الآية 19] وكان إخوته حوله فقالوا: إنه غلام أبق منا ; وتبايعوا معهم: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين} [الآية 20] وإنما قصدهم إبعاده والتأكيد على مشتريه منهم , صورة , أن يحتفظ به لئلا يهرب. ومن لطف الله أن الذي أخذه باعه في مصر على عزيزها , فحين رآه رغب فيه جدا وأحبه وقال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} [الآية 21] فبقي مكرما عندهم معفى عن الأشغال الشاقة وغيرها متجردا للخير. وهذا من اللطف بيوسف ولهذا قال: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث} [الآية 21] فكان تفرغه عند العزيز من أسباب تعلمه للعلوم النافعة ليكون أساسا لما بعده من الرفعة في الدنيا والآخرة. كما أن رؤياه مقدمة اللطف , وكما أن الله أوحى إليه حين ألقاه إخوته في الجب: {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} [الآية 15] وهذه بشارة له بالنجاة مما هو فيه , وأنه سيصل إلى أن ينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون. وقد وقع ذلك في قوله: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} [الآية 89] إلى آخر الآيات. وألطاف المولى لا تخطر على البال , ومنها أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية , وذلك أن إخوة يوسف جرى منهم ما جرى من هذه الجرائم , لكن في آخر أمرهم ونهايته تابوا إلى الله , وطلبوا السماح من أخيهم يوسف ومن والديهم الاستغفار , فحصل لهم السماح التام والعفو الكامل فعفا الله عنهم وأوصلهم إلى الكمال اللائق بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت