الصفحة 57 من 86

قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ *} [1] أي حتى إذا انفتحوا على الناس، فبرزوا بعدما كانوا منحازين في ديارهم بهذا الوصف الذي ذكر الله عنهم: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ} أي مكانٍ مرتفع، كالجبال وما فوقها. {يَنْسِلُونَ} أي يسرعون. وهذا مطابق لما هم عليه؛ فإنهم في جميع أقطار الدنيا قد انفتحوا على الناس، وأتوهم من كل جانب. ولهذا أتى بأداة التعميم، وهي قوله: {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ} فلم يبق جبل إلا صعدوه، ولا بحر عميق إلا عبروه، ولا صعب إلا سلكوه، وأبلغ من ذلك أنهم في جو الهواء ينسلون؛ أي يسرعون بالطائرات التي جابت مشارق الأرض ومغاربها، وجميع جهاتها. فإذا لم يصدق عليهم هذا الوصف، فمن تراه يصدق عليه؟! وإذا لم ينطبق عليهم هذا النعت فأخبرني بمن ينطبق عليه؟!

وفي هذه الآية الكريمة برهانٌ ودليل باهر على الإخبار بحدوث هذه المخترعات التي وصلوا بها إلى هذه الحال، لأن إخبار الله ورسوله بشيء إخبار به، وبما لا يتم ذلك إلا به، وذلك أنه لا يحصل تمكنهم من الإسراع والنسلان من كل حدبٍ إلا بالصنائع الراقية، والمخترعات المدهشة.

الدليل الثالث:

ما ثبت في الصحيحين عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «يقول الله لآدم، يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: أخرج من ذريتك بعث النار. فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة، فضج الناس حين حدثهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذا الحديث. قالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك الرجل؟ فقال: أبشروا، فإنكم في أمتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج» . وفي لفظٍ: «وما أنتم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض» [2] الحديث.

(1) - سورة الأنبياء: الآية 96.

(2) - صحيح البخاري: (3348، 4741، 6530، 7483) ، صحيح مسلم (222) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت