فهذه الآيات الكريمات [1] صريحة أن يأجوج ومأجوج من الآدميين، كما ثبت بذلك الحديث الذي في الصحيحين، وسنذكره إن شاء الله، وتدل هذه الآيات على أنهم من جنس هؤلاء القوم الذين اشتكوا منهم الأذية، إلا أنهم تميزوا بالإفساد في الأرض، وأن ذا القرنين رحم هؤلاء الذين اشتكوا منهم الأذية، فبنى ذلك الردم الذي ينفذون منه إليهم، وكان ما عن يمين هذا الريع ويساره جبال شاهقة، تتصل ببحارٍ مغرقة، كما هو ظاهر الآيات، وكما صرح بذلك ابن كثير في «البداية والنهاية» [2] وغيره.
وهذا الردم الذي بناه ذو القرنين يسير جدًا بالنسبة إلى السدود
الطبيعية التي عن يمينه وشماله، فلما بناه، صاروا لا يستطيعون أن
يظهروا على ذلك البنيان، ولا أن ينقبوه، وكذلك لا يستطيعون الصعود على سلاسل تلك الجبال الشاهقة، ولا النفوذ من وراء البحار.
فمكثوا على ذلك مددًا طويلة، وهم منحازون في ديارهم، وأماكنهم، لا سبيل لهم إلى النفوذ من تلك الحواجز، والحوائل، لعدم الأسباب التي تمكنهم من ذلك.
ثم بعد ذلك بمدد، ترقت الصناعات، وقويت المخترعات، وتنوعت الأسباب التي مكنتهم من النفوذ من تلك الحواجز والحوائل. وكان مبادي ذلك في وقت النبي صلّى الله عليه وسلّم، من حين قال في الحديث الثابت في الصحيحين: «ويل للعرب من شرٍ قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» . وحلَّق الإبهام والسبابة. وسيأتي إن شاء الله هذا
الحديث.
(1) - سورة الكهف: الآيات: 93 ـ 98.
(2) - انظر: البداية والنهاية: 2/ 549، وعبارة ابن كثير رحمه الله: (وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما، وبقية ذلك بحار مغرقة، وجبال شاهقة) .