فالمتعين على كل مؤمن أن يقول بما يعلم، وما تدل عليه الأدلة الشرعية، وأن يتوقف عما لا يعلم نفيًا وإثباتًا. ولهذا أمثلة كثيرة [1] ،
(1) - قدم الشيخ رحمه الله في النسخة المتوسطة من رسالته في يأجوج ومأجوج بمثالٍ آخر نثبته هاهنا بطوله، فقال:
المثال الأول: لما حدثت في هذه الأزمان الأخيرة الصناعات الباهرة، والمخترعات الغريبة من غواصات بحرية، وسيارات برية، وطيارات جوية، ونحوها، وحدث ما هو أبلغ منها، وهو قرب المواصلات الكهربائية بالتلغراف اللاسلكي، والتلفون الهوائي، والإذاعات المدفوعة من الأماكن البعيدة، حتى تتصل بالراديات البعيدة والقريبة، وما يتفرع على ذلك من المخترعات المدهشة، حصل من كثيرٍ من الناس استغرابها جدًا، لعدم فهم أسبابها، ولكن بعضهم توقف عن القول بلا علم فسلم، ومن الناس من حمله الجهل والتسرع على تحريم هذه المخترعات، وتحريم استعمالها، وزعم بعضهم أنها من السحر المحرم، أو من الشرك، واستخدام الشياطين، وهذا جهل محض، وجراءة صِرفة، فلو أنهم صبروا حتى يتبين لهم أمرها، ويزول اشتباهها، لكان خيرًا لهم. والله غفور رحيم.
وأما من عرف حقيقة الأمر، فإنه يعلم أن هذه من الصناعات التي أقدر الله عليها الآدميين، وأذن لهم في استعمالها، بل أمر بها حيث لا تتم المصلحة الدينية، أو الدنيوية، أو كلاهما، إلا بها، وعرف أنها من أبلغ ما يدخل في قوله تعالى: {عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *} وأن الله تعالى أعدَّ الآدمي لعلوم ومخترعات كثيرة، وأن الآدمي لا يزال في ازدياد ورقي في العلوم الدينية والكونية، وأن من منع ذلك فقد ضيق رحمة الله، وتحجر
فضله، وقال قولًا ينادي على جهله، فكما يجب شكر الله على تعليمه للعبد العلوم الدينية، فيجب شكره على تعليمه العلوم الكونية، لا سيما إذا أعانت على الخير، وتوقف قتال الأعداء ومدافعتهم عليها. وكذلك يعرف البصير أنها داخلة في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *} فأخبر أنه في مستقبل زمان نزول القرآن، أنه سيخلق من الأمور المستعملة في ركوب الآدميين ومصالحهم المتنوعة ما لا يعلمه الناس في ذلك الزمان. وقد وقع كما أخبر، فقد خلق من الصنائع الهائلة، والمخترعات الباهرة، بواسطة تعليمه الآدمي ما لا يعلمه الناس. فلما وقع، كان من آيات الله الأفقية التي قال فيها: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} فعرف المؤمنون واعترفوا أن وعده حق، وخبره صدق. ثم من نعمته على عباده، ولطفه بهم، أنه أخبر بهذه الأمور على وجه العموم والإجمال، لأنه لو أخبرهم بها على وجه التفصيل لوجد الأعداء المعاندون مقالًا يقدحون به في صحة رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم. فإذا كان الإسراء الذي وقع في وقته صلّى الله عليه وسلّم من جملة المعجزات التي لم تزل موجودة مع الأنبياء، وغير مستغربة، ومع ذلك قال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} وذلك أنهم قالوا: هذا محمد يزعم أنه ذهب في ليلة واحدة إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته، فلجُّوا في تكذيبهم، وافتتن بكلامهم من في قلبه ريب، وضعف إيمان، فكيف لو أخبرهم بوقوع هذه المخترعات في آخر الزمان، وقال لهم: سيغوص الناس في البحار، ويركبون الحديد في مهامة القفار، ويطيرون بين السماء والأرض، ويتخاطبون من مشارق الأرض ومغاربها، لو أخبرهم ببعض هذا على وجه التفصيل لقالوا: مجنون، كذاب، مفتر. ولكن الله لطف وسلم، إنه عليم حكيم، وأيضًا، فهذه المخترعات العجيبة من أعظم ما يدخل في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فهذا البأس الشديد، والمنافع المتنوعة المتخذة من الحديد من أكبر نعم الله على عباده. وقد تعرف بها إليهم، فوجب عليهم أن يشكروا الله عليها، ويستعملوها فيما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، ويستدفعوا ببأسها الأعداء، ويتخذوا من منافعها ما يثمر لهم الخيرات والمصالح الكثيرة. وأبلغ من هذا كله أنها
أعظم ما يدخل في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} وهذا أمر إيجاب، وأمر استحباب بحسب الأحوال. فأمر الله المؤمنين أن يعدوا لأعدائهم كل ما يستطيعونه من قوة عقلية، وسياسة، ورأي، وسلاح، ومخترعات، وحصون مانعة، وأسلحة فتاكة. فمن ظن بجهله أنه لا يدخل فيها إلا الضرب بالسيف، ورمي النشاب، وركوب الخيل، وطعن الرمح، وأن الأسلحة الوحيدة في هذه الأوقات لا تدخل في هذا الأمر، فقلْ له، بحسب إدراكه، أرأيت لو وقع حادث خطير في طرف مملكة من الممالك الإسلامية، فهل لسرعة تلافيه غير الاستعانة بالمواصلات البرقية، والسيارات، والطيارات، وما يستطاع من أنواع الأسلحة؟!
وهل إذا تقابل الصفان، وتزاحفت الجيوش الكثيرة، واتسع الميدان، وأريد من الجيش أن تكون حركته واحدة، إقدامًا، وإحجامًا، وهجومًا، ودفاعًا، فهل لذلك طريق غير التلفونات البرقية، وآلات النقل السريعة، وتوابع ذلك؟!
وهل إذا دهم العدو بالدبابات المصفحة، والطيارات، والأطواب الثقيلة، والأسلحة الفتاكة الجهنمية، فهل يمكن مقابلتها إلا بمثلها؟!
ولما كانت هذه المسألة واضحة، متبينة مصالحها، معروفة منافعها، صار الذي ينكرها اليوم، وينكر مصلحتها، وأهميتها، من أندر النادر، بحيث لا ينظر إلى قوله، والله أعلم)، اهـ.
ثم ثنى رحمه الله بالمثال الثاني، وهو يأجوج ومأجوج.