والمثال الثاني هو قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ *} [البقرة: 19] ينطبق على المنافقين، الضالين، المتحيِّرين، الذين يسمعون القرآن ولم يعرفوا المراد منه، وأعرضوا عنه، وكرهوا سماعه اتباعًا لرؤسائهم وسادتهم.
ومثَّل الله الحياة الدنيا، وزهرتها، والاغترار بها، بحالة زهرة الربيع، تعجب الناظرين، وتغر الجاهلين، ويظنون بقاءها، ولا يؤملون زوالها، فَلَهَوا بها عما خُلقوا له، فأصبحت عنهم زائلة، وأضحوا لنعيمها مفارقين في أسرع وقت، كهذا الربيع إذا أصبح بعد الاخضرار هشيمًا، وبعد الحياة يبسًا رميمًا، وهذا الوصف قد شاهده الخلق، واعترف به البر والفاجر، ولكن سُكر الشهوات، وضعف داعي الإيمان اقتضى إيثار العاجل على الآجل.
القاعدة الثالثة والعشرون:
إرشادات القرآن على نوعين:
أحدهما: أن يرشد أمرًا، ونهيًا، وخبرًا، إلى أمر معروف
شرعًا، أو معروفٍ عُرفًا كما تقدم.
والنوع الثاني: أن يرشد إلى استخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، ويُعمل الفكر في استفادة المنافع منها.
وهذه القاعدة شريفة جليلة القدر؛ أما النوع الأول فأكثر إرشادات القرآن في الأمور الخبرية والأمور الحكمية داخلة فيها.