ومن ذلك، الأمر بتبليغ الأحكام الشرعية، والتذكير بها وتعليمها، فإن كل أمر يحصل به التبليغ وإيصال الأحكام إلى المكلَّفين يدخل في ذلك، حتى إنه يدخل فيه إذا ثبتت الأحكام الشرعية، ووُجدت أسبابها، وكانت تخفى عادة على أكثر الناس، كثبوت الأهلَّة ـ بالصيام والفطر والحج وغيره ـ إبلاغها بالأصوات، والرمي، وإبلاغها بما هو أبلغ من ذلك كالبرقيات، ونحوها، وكذلك يدخل فيه كل ما أعان على إيصال الأصوات إلى السامعين من الآلات الحادثة، فحدوثها لا يقتضي منعها، فكل أمر ينفع الناس فإن القرآن لا يمنعه، بل يدل عليه لمن أحسن الاستدلال به، وهذا من آيات القرآن، وأكبر براهينه، أنه لا يمكن أن يحدث علم صحيح ينقض شيئًا منه، فإنه يَرِدُ بما تشهد به العقول جملة أو تفصيلًا، أو يرد بما لا تهتدي إليه العقول، وأما وروده بما تحيله العقول الصحيحة، وتمنعه، فهذا محال، والحس والتجربة شاهدان بذلك؛ فإنه مهما توسَّعت الاختراعات، وعظمت الصناعات، وتوسَّعت المعارف الطبيعية، وظهر للناس في هذه الأوقات ما كانوا يجهلونه قبل ذلك، فإن القرآن ـ وللَّه الحمد ـ لا يخبر بإحالته، بل تجد بعض الآيات فيها إجمال أو إشارة تدل عليه. وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في غير هذا الموضع، والله أعلم وأحكم، وبالله التوفيق.
القاعدة الثانية عشر [ة] :
الآيات القرآنية التي ظاهرها التضاد يجب حمل كل نوع منها على حال بحسب ما يليق ويناسب المقام.
وهذا في مواضع متعددة من القرآن:
منها: الإخبار في بعض الآيات أن الكفار لا ينطقون ولا يتكلمون يوم
القيامة، وفي بعضها: أنهم ينطقون، ويحاجون، ويتعذرون، ويعترفون. فحَمْل كلامهم ونطقهم: أنهم في أول الأمر يتكلَّمون ويعتذرون، وقد ينكرون ما هم عليه من الكفر، ويُقسمون على ذلك، ثم إذا خُتم على ألسنتهم، وشهدت عليهم جوارحهم بما كانوا يكسبون، ورأوا أن الكذب غير مفيد لهم، أُخرسوا فلم ينطقوا.