الصفحة 23 من 154

ومنها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] فإذا فهمت أن الله أمر بأداء الأمانات كلها إلى أهلها استدللت بذلك على وجوب حفظ الأمانات، وعدم إضاعتها والتفريط والتعدي فيها، وأنه لا يتم الأداء لأهلها إلا بذلك. وإذا فهمت أن الله أمر بالحكم بين الناس بالعدل استدللت بذلك على أن كل حاكم بين الناس في الأمور الكبار والصغار لا بد أن يكون عالمًا بما يحكم به، فإن كان حاكمًا عامًا فلا بد أن يحصِّل من العلم ما يؤهله إلى ذلك، وإن كان حاكمًا ببعض الأمور الجزئية كالشقاق بين الزوجين حيث أمر الله أن نبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها فلا بد أن يكون عارفًا بهذه الأمور التي يريد أن يحكم بها، ويعرف الطريق التي توصله إليها.

وبهذا بعينه نستدل على وجوب طلب العلم، وأنه فرض عين في كل أمر يحتاجه العبد؛ فإن الله أمرنا بأوامر كثيرة، ونهانا عن أمور كثيرة، ومن المعلوم أن امتثال أمره واجتناب نهيه يتوقف على معرفته وعلمه، فكيف يتصور أن يمتثل الجاهل الأمر الذي لا يعرفه، أو يدع الأمر الذي يعرفه؟ [1]

وكذلك أمره لعباده أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، يتوقف ذلك على العلم بالمعروف والمنكر ليأمر بهذا، وينهى عن هذا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يحصل ترك المنهي عنه إلا به فهو واجب؛ فالعلم بالإيمان والعمل الصالح متقدِّم على القيام به، والعلم بضد ذلك متقدِّم على تركه لاستحالة ترك ما لا يعرفه العبد قصدًا وتقرُّبًا وتعبُّدًا [2] .

(1) - كمن نشأ على بدعة يظنها من الدين، أو تعاطى أمرًا محرمًا يعتقد إباحته!!

(2) - أي أنه لا يمكن أن يتحقق الكف عن المنكر والشر تقربًا إلى الله وتعبدًا بتركه إلا بعد العلم بكونه منكرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت