الصفحة 22 من 154

وهذه القاعدة من أجلِّ قواعد التفسير وأنفعها، وتستدعي قوة فكر، وحُسن تدبر، وصحة قصد؛ فإن الذي أنزله هو العالم بكل شيء، الذي أحاط علمه بما تحتوي عليه القلوب، وما تَضَمّنه المعاني، وما يتبعها ويتقدمها وتتوقف هي عليه؛ ولهذا أجمع العلماء على الاستدلال باللازم في كلام الله لهذا السبب.

والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني، فإذا فهمتها فهمًا جيدًا ففكِّر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرَّع عنها، وينبني عليها، ولا تزال تفكر في هذه الأمور حتى يصير لك ملَكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة؛ فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرَّع على الحق حق. فمن وُفِّق لهذه الطريقة، وأعطاه الله توفيقًا ونورًا، انفتحت له العلوم النافعة، والمعارف الجليلة. ولنمثل لهذا الأصل أمثلة توضحه:

منها: في أسمائه الحسنى «الرحمن الرحيم» ، فإنها تدل بلفظها على وصفه بالرحمة، وسعة رحمته، فإذا فهمت أن الرحمة التي لا يشبهها رحمة أحد هي وصفه الثابت، وأنه أوصل رحمته إلى كل مخلوق، ولم يَخْلُ أحد من رحمته طرفة عين، عرفت أن هذا الوصف يدل على كمال حياته، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته؛ لتوقُّف الرحمة على ذلك كله، ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نور ورحمة؛ ولهذا يعلِّل تعالى كثيرًا من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه؛ لأنها من مقتضاه وأثره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت