الصفحة 19 من 154

أحدهما: من جهة الحث على القيام بلوازم الإيمان، وشروطه، ومكملاته، فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا قوموا بما يقتضيه إيمانكم، من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والتخلق بكل خُلق حميد، والتجنب لكل خُلق رذيل؛ فإن الإيمان الحقيقي هكذا يقتضي؛ ولهذا أجمع السلف أن الإيمان يزيد وينقص، وأن جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة من الإيمان ولوازمه، كما دلت على هذا الأصل الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، وهذا أحدها؛ حيث يصدر الله أمر المؤمنين بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» ، أو يعلق فعل ذلك على الإيمان، وأنه لا يتم الإيمان إلا بذلك المذكور.

والوجه الثاني: أنه يدعوهم بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» «افعلوا كذا، أو اتركوا كذا» . أو يعلق ذلك بالإيمان، يدعوهم بمنَّته عليهم بهذه المنَّة التي هي أجل المنن، أي: يا من منَّ الله عليهم بالإيمان قوموا بشكر هذه النعمة بفعل كذا وترك كذا.

فالوجه الأول: دعوة لهم أن يتمِّموا إيمانهم ويكملوه بالشرائع الظاهرة والباطنة.

والوجه الثاني: دعوة لهم إلى شكر نعمة الإيمان ببيان تفصيل هذا الشكر، وهو الانقياد التام لأمره ونهيه.

وتارة يدعو المؤمنين إلى الخير، وينهاهم عن الشر، بذكر آثار الخير، وعواقبه الحميدة، العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر، وعواقبه الوخيمة، في الدنيا والآخرة.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر نعمه المتنوعة، وآلائه الجزيلة، وأن النعم تقتضي منهم القيام بشكرها، وشكرها هو القيام بحقوق الإيمان.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بالترغيب والترهيب، وبذكر ما أعدَّ الله للمؤمنين الطائعين من الثواب، وما لغيرهم من العقاب.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر ما له من الأسماء الحسنى، وما له من الحق العظيم على عباده، وأن حقه عليهم أن يقوموا بعبوديته ظاهرًا وباطنًا، ويتعبَّدوا له ويدعوه بأسمائه الحسنى، وصفاته المقدَّسة. فالعبادات كلها تعظيم وتكبير لله، وإجلال وإكرام، وتودُّد إليه، وتقرُّب منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت