يلقى من الشبه ما يعارض اليقين، ثم ذكر الحِكَم العظيمة المترتبة على هذا الإلقاء، وأن نهاية الأمر وعاقبته أن الله يُبطل ما يُلقي الشيطان، ويُحكم آياته، والله عليم حكيم، فقد أخبر بوقوع هذا الأمر لجميع الرسل والأنبياء لهذه الحِكَم التي ذكرها، فمن أنكر وقوع ذلك بناء على أن الرسل لا ريب ولا شك معصومون، وظن أن هذا ينافي العصمة فقد غلط أكبر غلط، ولو فهم أن الأمور العارضة لا تؤثر في الأمور الثابتة لم يقل قولًا خالف فيه الواقع، وخالف نص الآيات الكريمات.
ومن هذا ـ على أحد قولي المفسرين ـ قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] وأنه ظنٌ عرض في الحال ثم زال، نظير الوساوس العارضة في أصل الإيمان التي يكرهها العبد حين تَرِدُ قلبه، ولكن إيمانه ويقينه يزيلها ويذهبها؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم عندما شكى إليه أصحابه هذه الحال التي أقلقتهم مبشرًا لهم: «الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة» [1] ، ويشبه هذا: العوارض التي تعرض في إرادات الإيمان لقوة وارد من شهوة، أو غضب، وأن المؤمن كاملَ الإيمان قد يَرِدُ في قلبه هَمٌ وإرادة لفعل بعض المعاصي التي تنافي الإيمان الواجب، ثم يأتي برهان الإيمان، وقوة ما مع العبد من الإنابة التامة، فيدفع هذا العارض. ومن هذا قوله تعالى عن يوسف: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] وهو أنه لما رجع إلى ما معه من الإيمان، ومراقبة الله، وخوفه، ورجائه، دفع عنه هذا الهم، واضمحل، وصارت إرادته التامة فيما يرضي ربه؛ ولهذا بعد المعالجة الشديدة التي لا يصبر عليها إلا الخواص من
الخلق قال صلّى الله عليه وسلّم: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي
(1) - أخرجه أحمد (1/ 235) وأبو داود في الأدب، باب في رد الوسوسة، حديث رقم: (5090) 14/ 15 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.