ولما نكص أهل الأرض عن نصرة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتمالأ عليه جميع أعدائه، ومكروا مكرتهم الكبرى للإيقاع به، نصره الله ذلك النصر العجيب؛ فإن نصر المنفرد الذي أحاط به عدوُّه الشديدُ حَرَدُه، القوي مكره، الذي جمع كل كيده ليوقع به أشد الأخذات، وأعظم النكايات، وتخلصه وانفراج الأمر له من أعظم أنواع النصر، كما ذكر الله هذه الحال التي عاتب بها أهل الأرض فقال: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} الآية [التوبة: 40] وقريب من هذا نصره إياه يوم حنين، حيث أعجبت الناس كثرتهم، فلم تغن عنهم شيئًا، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولَّوا مدبرين، وثبت صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله عليه سكينته ونصره في هذه الحالة الحرجة، فكان لهذا النصر من الموقع الكبير ما لا يعبَّر عنه.
وكذلك ما ذكره الله من الشدائد التي جرت على أنبيائه وأصفيائه، وأنه إذا اشتد البأس، وكاد أن يستولي على النفوس اليأس، أنزل الله فرجه ونصره ليصير لذلك موقع في القلوب، وليعرف العباد ألطاف علام
الغيوب.
ويقارب هذا المعنى: إنزاله الغيث على العباد بعد أن كانوا من قبل أن
ينزل عليهم من قبله مبلسين، فيحصل من آثار رحمة الله، والاستبشار بفضله ما يملأ القلوب حمدًا، وشكرًا، وثناء على الباري تعالى.