وبهذا المعنى ما أرسل الله من رسول إلا أعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر، وأما ما آتى الله محمدًا صلّى الله عليه وسلّم من الآيات فهي لا تُحد ولا تُعد من كثرتها، وقوتها، ووضوحها، ولله الحمد، فلم يبق لأحد من الناس بعدها عذر، فعلم بذلك أن اقتراح المكذبين لآيات يعيِّنونها ليست من هذا القبيل، وإنما مقصودهم بهذا أنهم وطَّنوا أنفسهم على دينهم الباطل، وعدم اتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما دعاهم إلى الإيمان، وأراهم شواهد الآيات، أرادوا أن يبرِّروا ما هم عليه عند الأغمار والسفهاء بقولهم: ائتنا بالآية الفلانية، والآية الفلانية، إن كنت [1] صادقًا، وإن لم تأت بذلك فلا نصدقك!! فهذه طريقة لا يرتضيها أدنى منصف؛ ولهذا يخبر تعالى أنه لو أجابهم إلى ما طلبوا لم يؤمنوا؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على الرضى بدينهم، وعرفوا الحق ورفضوه، وأيضًا فهذا من جهلهم في الحال والمآل، أما الحال: فإن هذه الآيات التي تُقترح وتُعيَّن جرت العادة أن المقترحين لها لم يكن قصدهم الحق، فإذا جاءت ولم يؤمنوا عُوجلوا بالعقوبة الحاضرة.
وأما المآل: فإنهم جزموا جزمًا لا تردد فيه أنها إذا جاءت آمنوا وصدقوا، وهذا قلب للحقائق، وإخبار بغير الذي في قلوبهم، فلو جاءتهم لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله تعالى.
وهذا النوع ذكره الله في كتابه عن المكذبين في آيات كثيرة جدًا، كقولهم: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا} الآيات [الإسراء: 90] وقوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} [الأنعام: 111] إلى آخرها.
(1) - في الأصل: إن كما كنت.