أما يدل ذلك دلالة قاطعة على كمال قدرة الله وصدق ما أخبر به من الغيوب التي كان المكذبون ينكرونها استبعادا لها , وقياسا منهم لقدرة من يقول للشيء كن فيكون , على قدرة الآدمي الضعيف: في علمه وفي قدرته وفي أحواله كلها , فأراهم الله من آثار قدرته على يد هذا الآدمي ما دلهم على كمال قدرة خالقه ومعلمه وعلى وحدانيته وصدق رسله , وهو لا يزال يريهم آياته شيئا فشيئا في الآفاق وفي أنفسهم فانتفع بذلك الذين يريدون الحق واتباعه وقامت الحجة البالغة على المعاندين المكابرين وصار علمهم وبالا عليهم إذ تكبروا به وامتلئوا غرورا باطلا , فالله الذي خلق الإنسان وأعده وأمده بكل وسيلة يدرك بها أنواع العلوم النافعة والفنون المتنوعة الدينية والدنيوية , وربط هذا بهذا فأمر بالقيام بالدين والاستعانة بهذه الوسائل على قيام الدين والدنيا قال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [سورة المؤمنون: الآية 51] وأمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} [سورة البقرة: الآية 172] وقال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} [سورة الأعراف: الآية 32] فالمؤمنون تمت عليهم النعمة في الدنيا والآخرة , واستعانوا بالطيبات وأصناف المنافع التي لا تحصى على عبادة الله وطاعته , وصار اشتغالهم بهذه المنافع التي يتوسل بها إلى إصلاح الدين والدنيا , عبادة من العبادات وقربة من القربات. وأما من سواهم من الماديين والضالين الغافلين , فإنهم عرفوا ظاهرا من الحياة الدنيا , وهم عن الآخرة هم غافلون.