فالحلف إن كان على أمر ماض وهو كذب قد تعمده صاحبه، فعليه من الإثم ما على الكاذبين، فإن كانت اليمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم، فهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، فإن كان يظن صدق نفسه أو وقعت في عرض كلام الرجل، كقوله: لا والله، بلى والله في معرض كلامه فهي لغو اليمين لا إثم فيها ولا كفارة، فإن عقدها على مستقبل وحنث بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله عالمًا ذاكرًا فعليه هذه الكفارة، يخير بين العتق وإطعام عشرة مساكين وكسوتهم، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام.
ومثل الحلف لفظ التحريم إذا حرم على نفسه شيئًا طعامًا أو شرابًا أو لباسًا أو منزلًا أو غيرها، فحكمه حكم اليمين إذا فعل ما حرمه على نفسه، وهذا التحريم من باب الاعتداء كما ذكره الله.
وكذلك لو حلف بالنذر وهو النذر الذي يسميه العلماء نذر اللجاج والغضب، فإن مجراه مجرى اليمين.
أما النذر الحقيقي الذي ينجزه العبد، أو يعلقه على أمر يحبه وينذر طاعة من الطاعات كقوله: لله علي أن أعتق أو أحج أو أتصدق، أو إن شفى الله مريضي فلله علي صدقة بكذا.
فيحصل له ما علقه عليه فهذا يتعين عليه الوفاء به وقد مدح الله الموفين بنذورهم.
وقوله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد:11 - 13] وكون الله ذكر العتق كفارة للظهار والقتل والأيمان. وقال تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33] دليل على فضيلة العتق، وأنه من أجل الطاعات وأحبها إلى الله.
وفيه الأمر بكتابة الرقيق الذي يعلم فيه الخير، أي صلاح في الدين وصلاح في الدنيا. وأما الذي يخشى منه الفساد أو يخشى أن يكون شحاذًا كلًا على الناس، فليس في عتقه وكتابته كثير فائدة. وفيه الحث على إعطاء المكاتبين ما يوفون به كتابتهم وأمر السيد أن يضع عنه أو يخفف عنه من كتابته.
أحكام الحدود