ومنها: أن معرفة الكتابة من نعمة الله على العبد، وكونه معتبرًا عند الناس مرضيًا عندهم، وتتوجه له حاجاتهم، ويمن الله عليه بقضائها والقيام بها، فبهذا تتم عليه النعمة وعليه أن يشكر الله على ذلك ولهذا قال: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ} [البقرة:282]
وقوله: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة:282] ، لأنه يكتب الحق الذي يُقِرُّ بِهِ، وفي هذا أن الإقرار من أعظم الطرق التي تثبت بها الحقوق، وأنه لا عذر لمن أقر، وأنه لو أقر ثم أنكر بعد ذلك، أو ادعى غلطًا أو نسيانًا أنه لا يقبل منه؛ لأن الحق ثبت باعترافه، فدعواه ارتفاع ذلك دعوى مجردة لا تقبل.
وفي هذا أنه لا يكتب ما أملاه من له الحق حتى يعترف به من عليه الحق اعترافًا معتبرًا.
{فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} [البقرة:282] ، أي: لا يعرف المصلحة ولا يحسن المعاملة {أَوْ ضَعِيفًا} [البقرة:282] ، أي: صغيرًا، ومن باب أولى المجنون، {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} [البقرة:282] لخرس أو حياء الأنثى {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة:282] ، فيها إثبات الولاية على القاصرين وأن وليهم ينوب منابهم في التصرفات والإقرارات، ويترتب عليه أنه لو زالت عنهم الموانع وأرادوا إلغاء تصرفات وليهم أو اتهموه بغير بيّنة فليس لهم ذلك لكونه قام مقامهم.
وفيه أنه لا عبرة بإقرار الصغير والسفيه والمجنون ولا بتصرفاتهم، لأن الله لم يجعل لهم هنا إقرارًا ولا معاملة ولا إملاء، بل جعل ذلك لوليهم، ففيه إثبات الحجر عليهم، ومنعهم من التصرفات والتبرعات والإقرارات على أموالهم، وذلك عين مصلحتهم وهذا من محاسن الشريعة، حيث لم يمكن القاصرين من أموالهم خوف الضرر عليهم. ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5] .