الصفحة 3 من 21

150-151]. فحكم بالكفر الحقيقي؛ لأنَّه عرف أنَّ دعواهم للإيمان دعوى غير صحيحة، ولو كانت

صحيحة لآمنوا بجميع الحقائق التي اتفقت عليها الرسل، ولكنهم قالوا: )نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا

وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ( [البقرة: 91] . ولهذا دعواهم الإيمان دعوى كاذبة،

فقال عنهم U: )قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ( [البقرة: 91] .

ومن الناس طائفة ادَّعت الفلسفة والعلم بالمعقولات، فجاءت بأكبر الضلالات وأعظم المحالات،

فجحدت الرب العظيم، وأنكرت وجوده، فضلًا عن الإيمان بالرسل والكتب وأمور الغيب، وجحدوا آيات

الله، واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا واستكبارًا، فكذَّبوا بعلوم الرسل وما دلت عليه الكتب المنَزَلة من

عند الله، واستكبروا عنها بما عرفوا من العلوم الطبيعية وتوابعها، وأنكروا من العلوم الطبيعية

وتوابعها، وأنكروا جميع الحقائق إلا ما أدركوه بحواسهم وتجاربِهِم القاصرة الضيقة بالنسبة إلى

علوم الأنبياء. فعبدوا الطبيعة، وجعلوها أكبر همهم ومبلغ علمهم، واندفعوا وراء ما تقتضيه طبائعهم،

ولَمْ يتقيدوا بشيء من الشرائع الدينية ولا الأخلاق الإنسانية.. فصارت البهائم أحسن حالًا منهم، فإنَّهُم

نضبت منهم الأخلاق، واندفعوا وراء الشهوات البهيمية، فلم يكن لهم غاية يرجونَهَا، ولا نِهَاية

يطلبونَهَا: )وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ( [الجاثية: 24] . وصار

المشركون على شركهم وكفرهم أحسن حالًا منهم، وأقل شرًّا منهم بكثير، والعجب الكثير أنَّ هذا

المذهب الخبيث جرف بتياره في الأوقات الأخيرة جمهور البشر؛ لضعف الدين وقلة البصيرة؛ ولما

وضعت له الأمم القوية الحبائل والمصائد التي هلك بِهَا الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت