فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 41

الخاطرة الأولى

مفهوم التدين

لابد أن يكون للإنسان مبدأ وعقيدة يشغل نفسه فيها ويدافع من أجلها حتى يلقى الله سبحانه وتعالى، وأنه لهذا خُلق الإنسان، فأنتم تعلمون بأن الإنسان بهذه الدنيا خلقه الله عز وجل لوظيفة كبرى وهي عمارة الأرض، عمارة الأرض هذه تكون بأمرين: الأول بالإيمان وعبادة الله سبحانه وتعالى ولهذه خلقنا، والثاني بعمارتها في شئون الحياة، والمسلمون مطالبون بالأمرين، بأن يصلحوا منهج الناس وحياة الناس، كما قال جل وعلا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات:56 - 58] ، لكن لا نفهم كما يفهم - للأسف الشديد - أعداد هائلة من الناس عندنا بأن الإنسان له خيارين، إما أن يكون عابدًا لله عز وجل محروم من الحياة، أو يكون لاهيًا متمتعًا في الحياة ولا يعبد الله عز وجل! هذا الفكر الفاسد دخل عند المسلمين من الكفار ومن اليهود ومن النصارى، لأن دينهم الذي حرفه المحرفون منهم لا يستطيع الإنسان أن يجمع فيه بين الأمرين، أما نحن فمن فضل الله عز وجل أن هدانا إلى الدين الحق، أنه لا يمكن أن تحيا الحياة السعيدة إلا إذا كان عند الإنسان دين، لذلك إخواني لابد أن تعرفوا ما هو مفهوم الحياة السعيدة.

إن الذي تصوره لنا وسائل الإعلام وجمهور ما نسمع حتى في كثير من البيوت أن الحياة السعيدة هي متاع الدنيا، هي المال والغنى والمنصب، هذا جزء من الحياة، لكن التجربة العملية أثبتت بأن هذه لا تعطي سعادة، لذلك انظروا إلى الأمم الكافرة في الدول الغربية عندهم من الغنى أكثر مما عندنا، وعندهم من متع الحياة الدنيا أكثر مما عندنا، وعندهم حتى من طبيعة البلاد من جو بارد وخضرة وأمطار أكثر مما عندنا، لكن كل هذه المقومات ما أعطتهم السعادة، لذلك نجد أن عندهم كثيرًا من الناس ينتحرون، وهذا ما تسطره صحفهم وتسمعه الآذان أن عندهم أعداد كبيرة من الناس يذهبون إلى المستشفيات النفسية، يواجهون القلق والأرق والاضطراب في حياتهم اليومية، فلا يوجد أي نوع من العلاقة الإنسانية، لذلك تجد أنهم بعد أن أيقنوا أنه لا خير في أولادهم اتجه عامة الغربيين إلى تربية الكلاب والقطط، والصرف عليها أكثر مما يصرفون على أبناءهم، إن كل هذه المتع الدنيوية التي عندهم ما أعطتهم سعادة، ومَن سافر إلى بلدانهم يدرك هذه القضية بكل مداها، في بلاد المسلمين قد تكون بلدان فقيرة لكن نسبة الإستقرار النفسي أكثر ونسبة الأمن والاطمئنان أكثر، وهذا ليس من تحليلاتنا نحن إنما هو قول الله عز وجل: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) [طه:124] الذي يعرض عن ذكر الله عز وجل وعن الدين ويتجه اتجاه آخر يعيش عيشة ضنك، حتى عندنا الآن تجد أن الذين لا يصلّون ولا يعرفون الدين عندهم أرق، ولذلك حتى هنا الآن لو ذهب أي إنسان إلى مستشفى الأمراض النفسية لن يجد فيه من المصلين إلا واحد من الألف، لن يجد فيه من رواد المساجد إلا نسبة نادرة لظروف عائلية، وكذلك نسبة الشذوذ في الأحداث، وكذلك نسبة السجون ونسب كل هذه الجرائم والاضطرابات، بل حتى الذين يتعاطون المهدئات والمنومات، نسبة الذين يرتادون المساجد قليلة جدًا، لأن هذا مصداق قول الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [طه:126] .

لما ذكر الله عز وجل عن اليهود والنصارى والكفار وصفهم أنهم كالأنعام، ما هي وظيفتهم؟ قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) [محمد:12] فقط هذه وظيفتهم! هذه الصفة تشترك بها كل بهائم الأرض فليس عندهم شيء ما بعد الموت، ولا يريدون جنة ولا نار، إذًا هم والأنعام سواء، بل الله عز وجل قال: (بل هم أضلُّ سبيلًا) [الفرقان:44] .

إذًا لابد بأن تدركوا بأن التديّن إنما هو لإستقرار الحياة بالدرجة الأولى، وأخطأ من ظن أن الإنسان إذا أصبح متدينًا ملتزمًا بدين الله عز وجل فإنه لا يستطيع أن يعيش حياته، هذه النظرة الموجودة الآن هي من آثار ما ورثه الناس من فكر اليهود النصارى.

هذه القضية مع أنها بسيطة لكنها عند كثير من الناس ضائعة، لو نظرنا في جانب العبادات نرى بأن ما فرض الله عز وجل أو ما حرم الله عز وجل علينا قليل وكله لصالحنا، وما أباحه الله عز وجل لنا كثير، نعم بعض الناس يقولون أنتم ما عندكم إلا حرام، حرام، حرام .. لكن إذا نظرتم إلى المحرمات في دين الله عز وجل تجدونها قليلة، كم صنف من الطعام حلال؟ ما لا نهاية، وكم صنف حرام؟ معدود، حرم الله من المشروبات الخمر، وحرم الله من المطعومات الميتة والخنزير وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلف من الطير، يعني لو تأتي تعدها تجدها ست أو سبع أصناف، لكن كم من أنواع الحلال من الأطعمة والأشربة على الأرض حلال؟ لا نهاية لها، وفي اللباس مثله، المحرم في اللباس قليل جدًا، والمباح ما له نهاية، والمحرم في المعاملات بالبيع والشراء قليل، والحلال ما له نهاية، إذ لو جئنا إلى التمتع الفطري في الحياة لوجدنا أنه لا يوجد في الإسلام شيء يمنعه، فقول الناس: أنتم ما عندكم إلا حرام! لأن الشيطان يريد منهم أن يرتكبوا الفواحش، الشيطان يأمرهم بالفحشاء والمنكر، انشغلوا بالغناء وانشغلوا في الموسيقى وانشغلوا في التمثيل وانشغلوا في جزيئات من الحرام، وقالوا لماذا تحرمون هذا؟ كالذي ينسى كل أنواع الأشربة ويقول لماذا حرم الخمر؟!

فلابد إذًا أن ندرك بأن ما حرم الله عز وجل علينا قليل، وأن الإنسان السوي يستطيع أن يتمتع بحياته تمتعًا كاملًا من غير أن يعصي الله سبحانه وتعالى بشيء، هذه النظرة لابد أن تبقى في قلوبنا، حتى لا يأتينا وساوس من الشيطان سواءً شياطين الإنس أو شياطين الجن، فيقولون: (أنتم الآن في أول عهدكم أول شبابكم تدخلون في باب تضيقون على أنفسكم) ، بل نقول: لا أنتم قد دخلتم من الباب الواسع، وكل ما حرم الله عز وجل نهايته بعد ذلك دمار، ولذلك كل من سلك ذلك الدرب سيندم أشد الندم، فالإنسان في أول أمره قد ينجرف إذ لم يوفق بطائفة تجره إلى الخير، فلذلك أنتم في نعمة وفضل من الله سبحانه وتعالى، أن ساق لكم قرناء خير، ونسأل الله أن تدخلوا في ضمن حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذي يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ومنهم: شاب نشأ في عبادة الله عز وجل) متفق عليه، فالذي ينشأ على الطاعة لا شك أنه يوفق إلى خير عظيم.

اعلموا أن التدين ليس حرمان من الحياة، بل إن التدين هو الحياة، وما يفعله البعض من منكرات إنما هو شذوذ، ولذلك لا يمارسونه أمام الناس، هل رأيتم رجل في وسط المجتمعات الإسلامية يشرب الخمر علنًا؟ ما رأينا، أو يفعل الفاحشة علنًا؟ ما رأينا، لماذا؟ لأنها لو كانت خيرًا لفعلناها ولفعلها الناس ولكنهم يلجئون إلى السر، وهذا دليل على أن هذا أمر غير سوي، فإن (الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) رواه مسلم.

هذه القضية الأولى المرتبطة بالعبادة التي خلقنا الله سبحانه وتعالى من أجلها، لا تعني التقيد والانضواء، إنما تعني أننا قد أتيحت لنا فرصة عظيمة أن نمارس حياتنا وفق ما يريد الله سبحانه وتعالى.

الثانية أن تتحقق غاية الإنسان في حياته وهي الهداية والأمن، وهذه لا تتحقق إلا لأهل الدين، لذلك انظروا الآن كم تصرف الدول من المبالغ على ما يسمى بإيجاد المواطن الصالح، ماذا يريدون من المواطن الصالح؟ الذي لا يسرق ولا يضرب ولا يعتدي ولا يفعل الفواحش، ونحن نقول لا يمكن تحصلون على هذا المواطن الصالح إلا إذا جعلتموه مسلمًا حقيقةً، وللأسف الشديد قد أدرك الكفار في بلاد الغرب هذه القضية فأصبحوا يأتون إلى الجمعيات الإسلامية ويطلبون منهم مرشدين إلى السجون، لأنهم وجدوا أن من أسلم من المسجونين لا يعود للجريمة، وأن من لم يسلم من المسجونين ما إن يخرج من السجن حتى يعود، ما الذي جعل الكفار يلجئون إلى هذا؟ لأنهم وجدوا ثمرة الإسلام على المسجونين، بل إن السجون التي دخلها الإسلام تمتاز بأدب وبنوع من حسن السلوك، كما يقول أهل السجون مقارنة بغيرها.

فما يعرف الآن من وسائل الإعلام من إنفاق الأموال الهائلة في الدول على إيجاد المواطن الصالح، فقد يكون هذا المواطن منافقًا فما يصلح، فقد يكون الرجل لا يسرق علنًا لكن يسرق بالسر، ما عنده ضمير، ورجل ما يفعل الفاحشة علنًا لكن يفعلها بالسر! فما تتوصل إليه وسائل الإعلام لا توجد الرجل الصالح، لأنها لا توجد الرجل المسلم.

لذلك نحن نقول لا يمكن أن يكون المواطن صالحًا حقيقة إلا إذا كان مسلمًا حقيقة، فينبغي إذًا أن يعاد البحث في إيجاد الرجل المسلم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) [لأعراف:96] ، فالإسلام يعطي البلاد أمن واستقرار إذا أصبح الناس فيهم دين، يصدهم عن الغش ويصدهم عن الخداع ويصدهم عن جميع أنواع المنكرات، فإذا أرادت الأمة أن تصلح نفسها وتبقى آمنة فعليها بالدين، لكن الإنسان في أول الدرب تتنازعه -كما يقال- عوامل شتى، وكل إنسان له طاقة وإمكانيات ذهنية وبدنية، يجب يا إخواني أن ننظر فيما نبذل هذه الطاقة، الإنسان في أي شيء يبذله يهدف إلى أمرين: الأول: يحقق نوع من الرغبة الشخصية داخل نفسه، والثاني: يحقق مجدًا دنيويًا ومالًا، وأما المؤمن فمجده أخروي، وقد تتبعنا كثيرًا من الأمور فما وجدنا لتحقيق المجدين الدنيوي والأخروي، إلا أن يكون الإنسان للمتقين إمامًا، أن يكون الإنسان وليًا لله عز وجل، يحصل على استقرار في الدنيا، ويحصل على استقرار في الآخرة، وعلو في الأرض ورفعة ومكانة، لأن كثيرًا من الناس يرغب في أن يكون وزيرًا أو سكرتير لوزير أو نائب لأمير! فكيف لمن أتيحت له فرصة أن يكون وليًا لله!! أمرها عظيم، وزارة الدنيا تحتاج إلى تعب ومال وجهد ومشقة، أما وزارة الآخرة ولاية الله عز وجل تحتاج إلى أمر أكبر من هذا، لكن كلنا يستطيعه، فإن الله لا يكلف من الأعمال ما لا نطيق، فهل فكّر الواحد منكم أن يكون مثل الإمام أحمد بن حنبل، أو مثل ابن تيمية، أو مثل محمد بن عبدالوهاب، أو مثل المجاهدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، أو مثل الإمام الشافعي، أو غيره من الأئمة؟ والجواب ما الذي يمنع أن يكون أحدنا مثل هؤلاء؟ لا يوجد شيء يمنع، إلا علو همة ودنو همة، والعاقل من استطاع أن يوظّف طاقاته في شيء عظيم.

نحن الآن نذكر هارون الرشيد أحيانًا، ونذكر خلفاء بني أميه وبني العباس أحيانًا، لكن في كل لحظة يُذكر البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والشافعي وابن خزيمة وأئمة الدين، وإن هذا هو السؤدد كما يقال، أو هذه هي الرئاسة الدائمة، ملوك الدنيا ذهبوا، الأغنياء ماتوا، لا أحد يعرف عنهم شيء، لكن إلى الآن نحن نقول: قال الأحنف، قال عطاء، قال فلان من العلماء، أصبحوا أئمة للدنيا، وما عندهم من الإمكانيات من مال أو جاه شيء، لكنهم سهروا على طلب كتاب الله عز وجل حفظًا وقراءةً وفهمًا، وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الذي من أجله سهروا، وإلا عطاء بن أبي رباح الذي إذا ذُكر في الكتب تهتز له الدنيا، ما هو إلا مملوك عبد ليس بجميل الشكل، لكن إلى الآن في كل كتب العلم يقال: قال عطاء، أصبح قوله حجة، ما الذي جعله بهذه المرتبة، ما هو إلا حفظه لكتاب الله عز وجل وحفظه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بهما.

فلابد إذًا أن يكون عندكم شيء داخلي يجعل من شباب هذه الأمة علماء وأئمة للمتقين، وقد ينبغ الإنسان في علوم الدنيا ولا حرج، بل قد يخدم المسلمين، لأن للأسف الشديد عامة المسلمين في علوم الدنيا فيهم تخلف، لكن علينا أن نبذل السبب لأن نضع لنا طموح، الآن عامة الشباب طموحهم محدود، فالمفروض يا إخواني إيجاد طموح عظيم، طموح أكبر من واقعنا الذي نحن فيه، أن نفكر في أن نكون مثل محمد بن عبدالوهاب أو مثل الصنعاني أو مثل الشوكاني، بل هذا الشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين كلهم قريبي العهد، وما جاءهم هذا العلم هدية من السماء، وإنما كما قال الزمخشري:

أأبيتُ سهران الدجى وتبيته ... نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي

فلا يتفق علو همة مع دنو همة، إذا أراد الإنسان أن يجعل من نفسه شيء، فليعلم أن الطريق إلى ولاية الله عز وجل ما جاء في البخاري في الحديث القدسي المشهور يقول الله تعالى: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمعه به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) رواه البخاري، وهذا من عظائم فضل المؤمن عند الله عز وجل، ما هو بسهل أن الله عز وجل يقول (ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن) ، ولذلك الآن الذين يقتلون في المسلمين، ويؤذون المسلمين، ويكفرون المسلمين، ما عقلوا هذا الحديث، ما فهموا معناه، ويقول في هذا الحديث: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه) فكيف تصير وليًا؟، قال أبدأ بالفرائض، لأن بعض الناس قد تجده يتقن النوافل وهو في الفرائض كسلان! كأن يسهر الليل في طلب العلم ثم لا يصلي الفجر!! ومن الفرائض ينتقل إلى المستحبات وهي ما لها نهاية، لكن هذا كله يحتاج إلى صبر، وإلى جَلَد، خاصة وأن مغريات الحياة في دنيانا كثيرة، ولذلك الآن تجدون الحفاظ في البلدان الفقيرة والنوابغ في البلدان الفقيرة أكثر منا في البلدان الغنية، ما السبب؟ أن عندنا من وسائل الترف ووسائل الانشغال ما ليست عند أولئك الناس، فبالتالي فإن من ينبغ في بلداننا، فكأنه في الحقيقة ينبغ عن عشرة في باقي البلدان، لأن أولئك ليس عندهم وسائل تشغلهم، فاتجاه شبابنا إلى الدين وإلى حفظه وفهمه يعتبر هذا من أعجب العجائب في هذا العصر، لأن كل الوسائل متاحة وتُهجر من أجل تعلّم دين الله عز وجل! من حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، من القيام بدعوة لله سبحانه وتعالى، لأنه لا يستوي من أتيحت له الفرصة ومن أتيحت له المغريات كلها ثم تركها؛ يرجو ما عند الله سبحانه وتعالى.

إذاًَ أرجع وأقول أن التدين لا يعني الحرمان بل يعني إشباع الرغبات للإنسان كاملة، لكن وفق ما أراد الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل هو يعلم ما يصلحنا فأعطانا من التشريع، والأمم التي هجرت الدين هي التي تعيش في هذا الاضطراب وهذا الفساد الذي نشاهد، لذلك علينا أن نتمسك بالدين، ليس عن عاطفة، وليس عن صحبة، وإنما لابد أن نقتنع بأن هذا هو الذي يحقق لنا العزين في الدنيا وفي الآخرة.

ولابد أن نعلم بأن الدين يعني العلم فنتعلم، فيا أيها الشباب أنتم الآن ما عندكم مسئوليات، لا مسئولية بيت ولا مسئولية إنفاق أو تربية، هذا وقت الطلب، ثم أنتم في هذا الوقت عندكم خلو ذهن، بإمكانكم تحصيل ما لا يستطيع تحصيله الكبير، فلذلك يقول عمر رضي الله عنه: (تفقهوا قبل أن تسوّدوا) أي قبل أن تنشغلوا في المناصب والبيوت وفي تحمل المسئوليات، فهي في الحقيقة فرصة لا تعوض، وسيندم بعد ذلك من تركها، وحينئذ لا ينفع الندم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت