لهذا وجب على الداعي إلى الله، أن يوطد العزم من أول الطريق على تحمل الاذى، مستمدًا العون من الله، مؤثرًا ما عند الله، موقنًا أن كل بلاء دون النار عافية، فلا ينهزم أمام الباطل، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضوان الله عليهم، خير اسوة في احتمال الاذى، والصبر عليه، والثبات مع الحق. ولنعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا، وأن هذا الايذاء من بشائر النصر، قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [1] .
ولكن هل معنى ذلك أن على الداعي المسلم أن يستدعي البلاء ويعمل على وقوعه ولا يجوز له دفعه؟ في المسألة تفسير وتوضيح لأن هذه المسألة مما يقع فيها الاشتباه والخلط بسبب سوء الفهم لا بسبب سوء النية والقصد. ولتوضيح هذه المسألة أذكر ما يلي [2] :
1 -المطلوب من الداعي المسلم أن يدعوا الله على بصيرة بالوسائل والكيفيات المشروعة التي بينها القرآن الكريم وطبقها الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أدت هذه الوسائل إلى أذى يصيب الداعي فعليه أن يتقبله بالصبر لا بالجزع، وبالثبات لا بالفرار. ذلك أن الأذى أو الضرر الذي يلحق الداعي المسلم هو بمنزلة الأمراض والمصائب التي تنزل على الإنسان، فكما أنه لا يحبها ولا يرغب فيها ولا يريد إيقاعها على نفسه، ولا يقدح ذلك في إيمانه، فكذلك لا يقدح في إيمانه عدم محبته ولا رغبته في وقوع أذى يصيب أهل الباطل عليه وعدم استدعاء الضرر على نفسه.
2 -إن احتمال وقوع الأذى والضرر به لا يقعد به عن دعوته إلى الله، ولكن على الداعي أن لا يستدعي الأذى لنفسه كما روي من أحدهم أنه قال: يارب امتحني بما شئت فأنا راض بقدرك صابر على ابتلائك، فابتلاه الله باحتباس البول، فأخذ يصيح ويولول ويطوف على الأولاد ويقول لهم: ارموا عمكم الكذاب بالحجارة. وقد جاء في الحديث الشريف «لا ينبغي للمؤمن أن يذل
(1) سورة الانعام: الآية 34.
(2) أصول الدعوة، ص 352.