قَوْله (مِنْ دِينه) مِنْ الدِّين وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ (( مِنْ ذَنْبه ) )
فَمَفْهُوم الأَوَّل: أَنْ يَضِيق عَلَيْهِ دِينه، فَفِيهِ إِشْعَار بِالْوَعِيدِ عَلَى قَتْل الْمُؤْمِن مُتَعَمِّدًا بِمَا يُتَوَعَّد بِهِ الْكَافِر.
وَمَفْهُوم الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِير فِي ضِيق بِسَبَبِ ذَنْبه فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى اِسْتِبْعَاد الْعَفْو عَنْهُ لاسْتِمْرَارِهِ فِي الضِّيق الْمَذْكُور.
وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الْفُسْحَة فِي الدِّين سَعَة الأَعْمَال الصَّالِحَة حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْل ضَاقَتْ لأَنَّهَا لا تَفِي بِوِزْرِهِ , وَالْفُسْحَة فِي الذَّنْب قَبُوله الْغُفْرَانَ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْل اِرْتَفَعَ الْقَبُول.
وَحَاصِله أَنَّهُ فَسَّرَهُ عَلَى رَأْي اِبْن عُمَر فِي عَدَم قَبُول تَوْبَة الْقَاتِل.
(مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ هَذَا الْوَجْه (( مَا لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَام ) )
وَمَعْنَاهُ الإِصَابَة وَهُوَ كِنَايَة عَنْ شِدَّة الْمُخَالَطَة وَلَوْ قَلَّتْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَم الْكَبِير عَنْ اِبْن مَسْعُود بِسَنَدٍ رِجَاله ثِقَات إِلا أَنَّ فِيهِ اِنْقِطَاعًا مِثْل حَدِيث اِبْن عُمَر مَوْقُوفًا أَيْضًا وَزَادَ فِي آخِره"فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا نُزِعَ مِنْهُ الْحَيَاءُ"ا. هـ [1]
سفك الدم الحرام يحول بين المرء والجنة
عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا؟ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
(( مَنْ سَمَّعَ: سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. قَالَ: وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقْ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) )
فَقَالُوا: أَوْصِنَا.
فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَأْكُلَ إِلا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ؛ وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ )) [2] .
فقليل من الدم الحرام يحول بين المرء وبين الجنة .. فتبصر وتأمل ..
(1) فتح الباري
(2) رواه البخاري في الأحكام باب من شاق شاق الله عليه (7152)