قَالَ الحافظ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَر يَعْنِي الْبَاقِر أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا: خَرَجَ مِنْ الإِيمَان إِلَى الإِسْلام يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ الإِيمَان أَخَصَّ مِنْ الإِسْلام، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الإِيمَان بَقِيَ فِي الإِسْلام، وَهَذَا يُوَافِق قَوْل الْجُمْهُور: إِنَّ الْمُرَاد بِالإِيمَانِ هُنَا كَمَالُهُ لا أَصْلُهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. [1]
قال النووي: هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ. فَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ: لا يَفْعَل هَذِهِ الْمَعَاصِي وَهُوَ كَامِل الإِيمَان. وَهَذَا مِنْ الأَلْفَاظ الَّتِي تُطْلَق عَلَى نَفْيِ الشَّيْء وَيُرَاد نَفْي كَمَالِهِ وَمُخْتَاره كَمَا يُقَال: لا عِلْم إِلا مَا نَفَعَ , وَلا مَال إِلا الإِبِل , وَلا عَيْش إِلا عَيْش الآخِرَة.
وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ وَغَيْره:
(( مَنْ قَالَ لا إِلَه إِلا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) )
وَحَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت الصَّحِيح الْمَشْهُور:
(( أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لا يَسْرِقُوا وَلا يَزْنُوا , وَلا يَعْصُوا إِلَى آخِره. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه , وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَته , وَمَنْ فَعَلَ وَلَمْ يُعَاقَب فَهُوَ إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ , وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ) )
فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَعَ نَظَائِرهمَا فِي الصَّحِيح مَعَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) )مَعَ إِجْمَاع أَهْل الْحَقّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالْقَاتِلَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَصْحَاب الْكَبَائِر غَيْر الشِّرْك , لا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ , بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ نَاقِصُو الإِيمَان. إِنْ تَابُوا سَقَطَتْ عُقُوبَتهمْ , وَإِنْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِر كَانُوا فِي الْمَشِيئَة. فَإِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عَفَا عَنْهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة أَوَّلًا , وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ , ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة.
وَكُلّ هَذِهِ الأَدِلَّة تَضْطَرُّنَا إِلَى تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِهِ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّأْوِيل ظَاهِرٌ سَائِغ فِي اللُّغَة مُسْتَعْمَلٌ فِيهَا كَثِير. وَإِذَا وَرَدَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ظَاهِرًا وَجَبَ الْجَمْع بَيْنهمَا. وَقَدْ وَرَدَا هُنَا فَيُجِبْ الْجَمْع وَقَدْ جَمَعْنَا.
وَتَأَوَّلَ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًا لَهُ مَعَ عِلْمه بِوُرُودِ الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ
وَقَالَ الْحَسَن وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ يُنْزَع مِنْهُ اِسْم الْمَدْح الَّذِي يُسَمَّى بِهِ أَوْلِيَاء اللَّه الْمُؤْمِنِينَ , وَيَسْتَحِقُّ اِسْم الذَّمّ فَيُقَال: سَارِق , وَزَانٍ وَفَاجِر , وَفَاسِق.
(1) فتح الباري (12/ 117) .