لا تَقْتُلْهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا، آقْتُلُهُ؟ قَالَ: لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ )) [1]
وفي الحديث: الكف عن كل من قال كلمة التوحيد والنهي عن قتله فإن لا إله إلا الله تعصم الدم والمال، وتكسب المرء الحرمة والتعظيم.
قال الحافظ في الفتح: وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمِقْدَاد عَنْ الْحُكْم فِي ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر بِلَفْظِ"أَرَأَيْت إِنْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّار"الْحَدِيث.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِر مُبَاح الدَّم بِحُكْمِ الدِّين قَبْل أَنْ يُسْلِم , فَإِذَا أَسْلَمَ صَارَ مُصَانَ الدَّم كَالْمُسْلِمِ , فَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِم بَعْد ذَلِكَ صَارَ دَمه مُبَاحًا بِحَقِّ الْقِصَاص كَالْكَافِرِ بِحَقِّ الدِّين , وَلَيْسَ الْمُرَاد إِلْحَاقه فِي الْكُفْر كَمَا تَقَوَّلَهُ الْخَوَارِج مِنْ تَكْفِير الْمُسْلِم بِالْكَبِيرَةِ , وَحَاصِله اِتِّحَاد الْمَنْزِلَتَيْنِ مَعَ اِخْتِلاف الْمَأْخَذ , فَالأَوَّل أَنَّهُ مِثْلُك فِي صَوْن الدَّم , وَالثَّانِي أَنَّك مِثْله فِي الْهَدَر.
وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ قَالَ: مَعْنَاهُ إِنَّك صِرْت قَاتِلًا كَمَا كَانَ هُوَ قَاتِلًا , قَالَ: وَهَذَا مِنْ الْمَعَارِيض , لأَنَّهُ أَرَادَ الإِغْلاظ بِظَاهِرِ اللَّفْظ دُون بَاطِنه , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ كُلا مِنْهُمَا قَاتِل , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ صَارَ كَافِرًا بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ.
وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب مَعْنَاهُ فَقَالَ: أَيْ أَنَّك بِقَصْدِك لِقَتْلِهِ عَمْدًا آثِم كَمَا كَانَ هُوَ بِقَصْدِهِ لِقَتْلِك آثِمًا , فَأَنْتُمَا فِي حَالَة وَاحِدَة مِنْ الْعِصْيَان.
وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنْتَ عِنْده حَلال الدَّم قَبْل أَنْ تُسْلِم وَكُنْت مِثْله فِي الْكُفْر كَمَا كَانَ عِنْدك حَلال الدَّم قَبْل ذَلِكَ.
ثم ذكر أقوالًا أخرى في المسألة ثم فال: .. وَأَمَّا قِصَّة قَطْع الْيَد فَإِنَّمَا قَالَهَا مُسْتَفْتِيًا عَلَى تَقْدِير أَنْ لَوْ وَقَعَتْ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ الْجَوَابُ النَّهْيَ عَنْ قَتْله لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ الإِسْلام فَحُقِنَ دَمُهُ وَصَارَ مَا وَقَعَ مِنْهُ قَبْل الإِسْلام عَفْوًا. ا. هـ
(1) رواه البخاري في الديات باب"ومن يقتل مؤمنًا" (6865) ، ومسلم في الإيمان (139) ، وأبو داود في الجهاد (2273) ، وأحمد (22700)