الصفحة 20 من 76

(( مَنْ احْتَسَبَ ثَلاثَةً مِنْ صُلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: أَوْ اثْنَانِ؟ قَالَ: أَوْ اثْنَانِ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: يَا لَيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا ) ) [1]

قال الحافظ في الفتح: قوله: (ثَلاثَةً مِنْ صُلْبِهِ) :

هَلْ يَدْخُل فِي الأَوْلاد، أَوْلاد الأَوْلاد؟ مَحَلّ بَحْث , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَوْلاد الصُّلْب يَدْخُلُونَ وَلا سِيَّمَا عِنْد فَقْد الْوَسَائِط بَيْنهمْ وَبَيْن الأَب , وَفِي التَّقَيُّد بِكَوْنِهِمْ مِنْ صُلْبه مَا يَدُلّ عَلَى إِخْرَاج أَوْلاد الْبَنَات.

معنى ثوله صلى الله عليه وسلم: (لم يبلغوا الحنث)

قال الحافظ: قَالَ الرَّاغِب: عَبَّرَ بِالْحِنْثِ عَنْ الْبُلُوغ لَمَّا كَانَ الإِنْسَان يُؤَاخَذ بِمَا يَرْتَكِبهُ فِيهِ بِخِلافِ مَا قَبْله , وَخُصَّ الإِثْم بِالذِّكْرِ لأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُل بِالْبُلُوغِ لأَنَّ الصَّبِيّ قَدْ يُثَاب , وَخَصَّ الصَّغِير بِذَلِكَ لأَنَّ الشَّفَقَة عَلَيْهِ أَعْظَم وَالْحُبّ لَهُ أَشَدّ وَالرَّحْمَة لَهُ أَوْفَر , وَعَلَى هَذَا فَمَنْ بَلَعَ الْحِنْث لا يَحْصُل لِمَنْ فَقَدَهُ مَا ذُكِرَ مِنْ هَذَا الثَّوَاب وَإِنْ كَانَ فِي فَقْد الْوَلَد أَجْر فِي الْجُمْلَة , وَبِهَذَا صَرَّحَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء , وَفَرَّقُوا بَيْن الْبَالِغ وَغَيْره بِأَنَّهُ يُتَصَوَّر مِنْهُ الْعُقُوق الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الرَّحْمَة بِخِلافِ الصَّغِير فَإِنَّهُ لا يُتَصَوَّر مِنْهُ ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ

وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير: بَلْ يَدْخُل الْكَبِير فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيق الْفَحْوَى لأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْل الَّذِي هُوَ كَلّ عَلَى أَبَوَيْهِ فَكَيْفَ لا يَثْبُت فِي الْكَبِير الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْع وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَاب بِالْحُقُوقِ؟ قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِلْغَاء الْبُخَارِيّ التَّقْيِيد بِذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة. اِنْتَهَى.

وَيُقَوِّي الأَوَّل قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث"بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ"لأَنَّ الرَّحْمَة لِلصِّغَارِ أَكْثَر لِعَدَمِ حُصُول الإِثْم مِنْهُمْ.

وقال الحافظ: في حديث أَبِي هُرَيْرَة: التَّقْيِيد بِعَدَمِ بُلُوغ الْحِنْث , أَيْ: الإِثْم. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مَاتُوا قَبْل أَنْ يَبْلُغُوا ; لأَنَّ الإِثْم إِنَّمَا يُكْتَب بَعْد الْبُلُوغ , وَكَأَنَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّهُ لا يُنْسَب إِلَيْهِمْ إِذْ ذَاكَ عُقُوق فَيَكُون الْحُزْن عَلَيْهِمْ أَشَدّ.

قَوْله (بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ)

أَيْ بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه لِلأَوْلادِ.

(1) رواه البخاري في التاريخ (3/ 2/421) ، والنسائي في الجنائز باب من احتسب ثلاثة من صلبه (1849) ، وابن حبان (721) ، وصححه الألباني في الصحيحة (2302)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت