فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 890

قال ابن كثير والسعدي رحمهما الله في تفسيرهما:

يقول تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ) أي: التي حرم فيها قتال المشركين المعاهدين، وهي أشهر التسيير الأربعة، وتمام المدة لمن له مدة أكثر منها، فقد برئت منهم الذمة.

(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) في أي مكان وزمان.

(وَخُذُوهُمْ) : أسرى.

(وَاحْصُرُوهُمْ) أي: ضيقوا عليهم، فلا تدعوهم يتوسعون في بلاد اللّه وأرضه، التي جعلها الله معبدا لعباده.

فهؤلاء ليسوا أهلا لسكناها، ولا يستحقون منها شبرا، لأن الأرض أرض اللّه، وهم أعداؤه المنابذون له ولرسله، المحاربون الذين يريدون أن يخلو الأرض من دينه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

(وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) أي: كل ثنية وموضع يمرون عليه، ورابطوا في جهادهم وابذلوا غاية مجهودكم في ذلك، ولا تزالوا على هذا الأمر حتى يتوبوا من شركهم.

ولهذا قال: (فَإِنْ تَابُوا) من شركهم (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) أي: أدوها بحقوقها (وَآتُوا الزَّكَاةَ) لمستحقيها (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) أي: اتركوهم، وليكونوا مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم.

(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر الشرك فما دونه، للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبولها منهم.

وفي هذه الآية، دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه. ا. هـ [1]

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره:

(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) عام في كل مشرك, لكن السنة خصت منه ما تقدم بيانه في سورة البقرة من امرأة وراهب وصبي وغيرهم. وقال الله تعالى في أهل الكتاب:"حتى يعطوا الجزية". إلا أنه يجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب, ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم, على ما يأتي بيانه. واعلم أن مطلق قوله:"اقتلوا المشركين"يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان, إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة. ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار, وبالحجارة وبالرمي من رءوس الجبال, والتنكيس في الآبار,

(1) تفسير ابن كثير (4/ 111) ، والسعدي (1/ 329)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت