الصفحة 42 من 114

قلت: ما ذكره شيخ الإسلام من استنباط فيه نظر، لأن الروايات السابقة تتفق على أن ابن عمر إذا أجمع المقام أكثر من اثنى عشر يومًا أو خمسة عشر يومًا أتم سواء كان ذلك لأجل الموسم، أو لغيره، وإن أصرح ما يدل على هذا ما جاء في الروايتين الخامسة والتاسعة. وقد رأيت كثيرًا من المعاصرين الذين ذهبوا إلى القول بقصر المسافر إذا أقام ما لم يرجع إلى وطنه أو يتخذ ما أقام به موطنًا قد نسبوا إلى ابن عمر القول بهذا المذهب، ثم اكتفوا بالاحتجاج لهذا بقصره بأذربيجان، فهذه الرواية هي العمدة لديهم في تحديد مذهبه. - رضي الله عنه - .

وأرى أن في هذا تقويلًا لهذا الصحابي ما لم يقله، ونسبته إلى مذهب لم يذهب إليه، كما أن فيه مخالفة للدقة العلمية، حيث لم يحددوا مذهبه بناء على جميع الروايات المختلفة التي صدرت عنه، ثم التوفيق بينها.

ولذا فلما وقف ابن حزم على هذه الروايات المختلفة ذهب إلى أنه لا يصح الاحتجاج بما روي عن ابن عمر - - رضي الله عنه - - في هذا الموضوع. لمخالفته نفسه ولمخالفة ابن عباس له (1) .

وأرى أن قول ابن عمر - - رضي الله عنه - - موافق لمذهب الجمهور، وهو أن من عزم على الإقامة أتم، ومن لم يعزم قصر ولو طالت إقامته.

وأن قصره بأذربيجان لكونه لم يعزم على الإقامة، بل هو مكره عليها لحبس الثلج له، وهذا هو رأي الموفق ابن قدامة، كما هو صريح احتجاجه بما روى عن ابن عمر - - رضي الله عنه - - (2) .

ثمن من خلال استعراضنا للروايات السابقة يمكن تحديد مذهبه في النقاط التالية:

أنه إذا عزم على مكث اثنتي عشرة ليلة أو خمس عشرة ليلة أتم الصلاة، وإن لم يعزم قصر ولو مكث طويلًا.

أن إقامته بأذربيجان لم تكن مقصودة بل مكره عليها.

أن من مر بمصر فله أن يصلي أربعًا، لأنه في مصر، وله أن يقصر، لأنه مسافر لم يجمع على إقامة.

أن من صلى مع الإمام المقيم فإنه يتم. والله أعلم.

(1) انظر المحلى 5/23.

(2) انظر المغني 3/153، وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت