الصفحة 32 من 114

قال ابن حجر: يستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر.أ.هـ (1) .

قلت: ومما يدل أيضًا على أن إقامة أكثر من ثلاثة أيام تخرج بصاحبها عن حكم السفر، أنه - صلى الله عليه وسلم - ابقى ما زاد على الثلاثة على أصله وهو تحريم إقامة المهاجر في مهجره، ويستوى في هذا من قصد الاستيطان أو الإقامة المؤقتة الزائدة على ثلاثة أيام، أما من مر بمهجره وهو مسافر فإنه لا يحرم عليه ذلك، وكذا من أقام بها أكثر من ثلاثة أيام بغير قصد الإقامة، لأنالنبي - صلى الله عليه وسلم - أقام هو وأصحابه زمن الفتح بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، فقد زادت هذه الإقامة على ثلاثة أيام فلا تخالف تحديد إقامة المهاجر بثلاثة أيام. لأن هذه الإقامة المحددة مقصودة لذاتها، ولذلك جاء الأذن فيها لمن انتهى من أعمال الحج. لا قبل الانتهاء منه. أما الإقامة زمن الفتح فلم تكن مقصودة لذاتها بل دعت إليها متطلبات الفتح ولذلك لم يكتف النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله لها عن الإذن بجواز الإقامة ثلاثة أيام مع أنها سابقة على الإذن. كما أن الإذن بثلاثة أيام ليس ملغيًا لحكمها ولا ناسخا لها. لأن الجمع بين الأدلة ممكن فهو مقدم على اطراح أحدهما والعمل بالأخر.

ثم إن من فوائد هذا القول والفعل تنويع الإقامات، وإعطاء كل نوع حكمًا يخصه، فالإقامة المقصودة لذاتها، يستوي فيها حم ما زاد على ثلاثة أيام وحكم الاستيطان. ولذا بقي ما فوق الثلاثة على النهي، أما الثلاثة فحكمها حكم السفر لأنه جاء الأذن للمهاجر أن يقيم فيها، فصار حكمها حكم مرور المهاجر بمهجره في حال سفره حيث لم يمنع منه أصلًاز

(1) فتح الباري 7/267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت