وقوله: ( فقط ) يعني: لا يزيد على هذه الكلمة ، فالمأموم يرفع قائلًا: )) ربنا ولك الحمد (( ، وفي حال قيامه يسكت ، لا يقول شيئًا ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ) )إذا قال: سمع الله لمن حمده ، فقولوا: ربنا ولك الحمد (( ، هذا المذهب ، لكنه قول ضعيف ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد بقوله: ) )قولوا: ربنا ولك الحمد (( في مقابل: ) )سمع الله لمن حمده (( والذكر الذي يكون بعد القيام ثابت للإمام والمأموم والمنفرد ، وهو: ) )ربنا ولك الحمد ، ملء السماء ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد (( فالقول بأن المأموم يقف فقط ساكتًا قول ضعيف ، لأنه لا يمكن أن يسكت المأموم إلا لاستماع قراءة الإمام ، إذن الصواب: أن الإمام والمنفرد والمأموم ، كل منهم يقول: ) )ربنا ولك الحمد ، ملء السماء ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد (( . بماذا نجيب عما استدلوا به: ) )إذا قال: سمع الله لمن حمده ، فقولوا: ربنا ولك الحمد (( ؟ نقول: هذا في مقابل قول الإمام: ) )سمع الله لمن حمده (( [1] .
(1) قال الشيخ - رحمه الله - في الدرس التالي: سألنا أحد الطلبة عن حال اليدين بعد الرفع من الركوع ، لأن المؤلف ما ذكره - رحمه الله - ، فسألنا عن ذلك ، فنقول: إن الإمام أحمد - رحمه الله - قال: إن شاء أرسلهما وإن شاء وضع يده اليمنى على اليسرى كما قبل الركوع ، فجعله مخيرًا ، واختار بعض العلماء أنه يضع يده اليمنى على اليسرى ، واختار بعضهم أنه لا يضع ، حتى وصل إلى أن قال إنه بدعة ، وسأعلق على كلمة ( إنه بدعة ) ، فهذه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن مخير ، وأنه إن أرسل فسنة ، وإن وضع فسنة ، وهذا مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - نصَّ عليه ، وكأنه - رحمه الله - لما لم يثبت إرسال اليدين ولا وضع اليد اليمنى على اليسرى ، جعل الإنسان مخيرًا ، جعلنا لا نأمره لا بهذا ولا بهذا .
الثاني ]: وأما من قال بالاستحباب فحجته حديث سهل بن سعد قال: ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ) ووجه الدلالة: أن قوله: ( في الصلاة ) يعم جميع أجزائها ، فيخرج منه: الركوع ، لأن وضع اليد على الركبتين ، والسجود لأن اليد على الأرض ، والجلوس لأن اليد على الفخذين ، فيبقى القيام قبل الركوع والقيام بعد الركوع ، وهذا اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز .
[ الثالث ] : أما حجة الآخرين الذين يقولون إنه لا يضع ، فيقولون: إن الأصل إبقاء الجسد على ما هو عليه ، حتى يقوم دليل على أنه خلاف الأصل ، ولا دليل في المسألة ، وكأن هذا القول يرمي إلى أنه لا بد من دليل خاص على كل عمل بخصوصه ، فالمسألة من باب الاجتهاد ، والواجب على الإنسان أن يأخذ بما ترجح عنده من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها . والراجح عندي: أنه يضع يده اليمنى على اليسرى بعد الركوع كما قبله ، لأن حديث سهل بن سعد واضح .
لكن القول بأنه بدعة صعب ، لأننا لو بدعنا كل من خالفنا في المسائل الفقهية ، لم نكد نجد مسألة إلا والعلماء الآخرون فيها مبتدعة ، وهذا صعب ، لأنه إذا كان إما مصيب وإلا مبتدع ( ليس ) صحيحًا هذا ، فمسائل الاجتهاد الكل منهم مصيب في اجتهاده ، لا في موافقة الحق ، لأن الحق واحد ، ولا يمكن أن يكون الحق مع الرجل وخصمه أبدًا ، لكن الاجتهاد حق ، كل يجتهد ، وقد علم كل أناس مشربهم ، وهذه نقطة مهمة ، وهي المسائل الفقهية إذا خالفنا فيها أحد لا يحق لنا أن نقول إنه مبتدع ، ما دمنا مجتهدين نحن وهو ، فكيف نقول إنه مبتدع وفيه احتمال أننا نحن مبتدعون ، أليس كذلك ؟ لأنه لا ينزل علينا الوحي ، فإذن نقول: اجتهادنا ليس ملزمًا له ، واجتهاده ليس ملزمًا لنا ، والكل مختصمون عند الله - عز وجل - ، ولكن نقول: المسائل الخلافية التي لها مساغ في الاجتهاد ، لا يمكن أن نبدع غيرنا فيها ... طالع كتب الفقهاء ، لا تكاد تجد صفحة إلا وفيها = = خلاف إما في المذاهب أو بين علماء المذهب الواحد ، لكن نقول: هذا مرجوح ، هذا ضعيف ، أو ما أشبه ذلك ، ولا نبدَّع ولا نضلل .