الْمَأْمُومِينَ وَذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ يُخْرِجُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ مِنْ الْفَضِيلَةِ الْكَامِلَةِ لِأَنَّ بَاقِيَ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَالُوا فِيمَنْ اُضْطُرَّ إلَى النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يَنَامُ فِي مِحْرَابِهِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ بَاقِي الْمَسْجِدِ بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ لَمْ يَضِقْ بِالنَّاسِ فَلَا يَدْخُلُ الْإِمَامُ إلَى الْمِحْرَابِ, فَإِنْ ضَاقَ بِهِمْ فَلْيَدْخُلْ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ يُمْسِكْ بِوُقُوفِهِ خَارِجًا عَنْهُ مَوْضِعَ صَفٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَدْ يَسَعُ خَلْقًا كَثِيرًا. [1]
وقال في زخرفة المحراب: (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الزَّخْرَفَةِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ, فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَمَا عُمِلَ مِنْ التَّزْوِيقِ فِي قِبْلَتِهِ فَقَالَ: كَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ حِينَ فَعَلَهُ; لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُمْ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَسَاجِدِ هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَتِهَا بِالصَّبْغِ مِثْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَنَحْوِهَا فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّزْوِيقِ وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ إلْصَاقِ الْعُمُدِ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ وَفِي الْأَعْمِدَةِ, أَوْ مَا يُلْصِقُونَهُ أَوْ يَكْتُبُونَهُ فِي الْجُدْرَانِ وَالْأَعْمِدَةِ. وَكَذَلِكَ يُغَيِّرُ مَا يُعَلِّقُونَهُ مِنْ خِرَقِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ, فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى.
(1) المدخل لابن الحاج، فصل إذا فرغ من خطبته ودعا فيها، ج2 ص 272.