فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 69

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الْحَنَابِلَةُ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ; لِأَنَّهُ إسْرَافٌ, وَيُفْضِي إلَى كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ, كَمَا يَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفِهِ أَوْ حَائِلِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ, وَتَجِبُ إزَالَتُهُ إنْ تَحَصَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ, فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ, فَلَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ, وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ, وَأَوَّلُ مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ, وَلِذَلِكَ عَدَّهَا كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَقْسَامِ الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إلَى اسْتِحْبَابِ زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ, أَوْ فِضَّةٍ, أَوْ نَقْشٍ, أَوْ صَبْغٍ, أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِحْيَاءِ الشَّعَائِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِزَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَقْشِهِ بِجِصٍّ أَوْ مَاءِ ذَهَبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الثَّمِينَةِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ جِدَارِ الْقِبْلَةِ; لِأَنَّهُ يَشْغَلُ قَلْبَ الْمُصَلِّي, وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي حَائِطِ الْمَيْمَنَةِ أَوْ الْمَيْسَرَةِ, لِأَنَّهُ أَيْضًا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ الْقَرِيبَ مِنْهُ, أَمَّا زَخْرَفَةُ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَمَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُمْ أَيْضًا. [1]

واتفقت كلمة المستشرقين على بدعة المحاريب، وقالوا هي مذابح النصارى، وادعائهم هذا ليس من باب تنظيف الدين من كل دخيل عليه، بل من باب إلغاء مظهر من مظاهر الفن والجمال، في صورة من صوره الإسلامية حسدا من عند أنفسهم، وعملت إرساليات الاستعمار على سرقة المحراب العباسي وغيره، لأنه تحفة من أروع ما

(1) المصدر السابق ج23ص218 - 219

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت