فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 69

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ إنْ كَانَ لِلْحَثِّ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ لِخَشْيَةِ شَغْلِ بَالِ الْمُصَلِّي بِالزَّخْرَفَةِ فَلَا لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُجَوِّزُونَ لِلتَّزْيِينِ بِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, وَبِأَنَّهُ بِدْعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ وَبِأَنَّهُ مُرَغِّبٌ إلَى الْمَسْجِدِ, وَهَذِهِ حُجَجٌ لَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ حَظٌّ مِنْ التَّوْفِيقِ لَا سِيَّمَا مَعَ مُقَابَلَتِهَا لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ التَّزْيِينَ لَيْسَ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمُبَاهَاةِ الْمُحَرَّمَةِ وَأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام, وَأَنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى, وَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ مُخَالَفَتَهُمْ وَيُرْشِدُ إلَيْهَا عُمُومًا وَخُصُوصًا.

وَدَعْوَى تَرْكِ إنْكَارِ السَّلَفِ مَمْنُوعَةٌ لِأَنَّ التَّزْيِينَ بِدْعَةٌ أَحْدَثَهَا أَهْلُ الدُّوَلِ الْجَائِرَةِ مِنْ غَيْرِ مُؤَاذَنَةٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ, وَأَحْدَثُوا مِنْ الْبِدَعِ مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ, وَسَكَتَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ تَقِيَّةً لَا رِضًا, بَلْ قَامَ فِي وَجْهِ بَاطِلِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ, وَصَرَخُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِنَعْيِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ, وَدَعْوَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ بَاطِلَةٌ. وَقَدْ عَرَّفْنَاك وَجْهَ بُطْلَانِهَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ الْحَرِيرِ وَالْغَصْبِ وَدَعْوَى أَنَّهُ مُرَغِّبٌ إلَى الْمَسْجِدِ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ كَوْنَهُ دَاعِيًا إلَى الْمَسْجِدِ وَمُرَغِّبًا إلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ كَانَ غَرَضُهُ وَغَايَةُ قَصْدِهِ النَّظَرُ إلَى تِلْكَ النُّقُوشِ وَالزَّخْرَفَةِ, فَأَمَّا مَنْ كَانَ غَرَضُهُ قَصْدُ الْمَسَاجِدِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَكُونُ عِبَادَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا مَعَ خُشُوعٍ, وَإِلَّا كَانَتْ كَجِسْمٍ بِلَا رُوحٍ, فَلَيْسَتْ إلَّا شَاغِلَةً عَنْ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَنْبِجَانِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ. وَكَمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَتْكِهِ لِلسُّتُورِ الَّتِي فِيهَا نُقُوشٌ. وَكَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ تَنْزِيهِ قِبْلَةِ الْمُصَلِّي عَمَّا يُلْهِي وَتَقْوِيمِ الْبِدَعِ الْمُعْوَجَّةِ الَّتِي يُحْدِثُهَا الْمُلُوكُ تُوقِعُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي الْمَسَالِكِ الضَّيِّقَةِ فَيَتَكَلَّفُونَ لِذَلِكَ مِنْ الْحُجَجِ الْوَاهِيَةِ مَا لَا يُنْفَقُ إلَّا عَلَى بَهِيمَةٍ. انتهى كلام الشوكاني [1]

(1) نيل الأوطار بَابُ الِاقْتِصَادِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ ج2، ص174

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت