جعله الله سبحانه وتعالى آية من آياته حيث قال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} (يونس: 67) .
وقال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} (الروم: 23) .
فالذين يسكنون هذه المناطق لو اهتموا بصلاة العشاء بعد غياب الشفق, لا سبيل لهم أن يناموا بالليل. وهذا الحرج لا يختص بفرد دون فرد, وإنما يعم جميع سكان المنطقة. وربما يخطر بالبال أن جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة في الحضر لدفع الحرج عن أمته كان من أجل هؤلاء الذين لم يكونوا متصورين في ذلك العهد المبارك.
وفي جانب آخر, فإن الصلاة من أعظم العبادات وهي عماد الدين, وقال الله سبحانه وتعالى فيها: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (الروم: 23) . فيجب أن يؤخذ فيها التحوط البالغ, ولاشك أن رخصة الجمع في الحضر بدون مرض أو مطر لم يسوّغها جمهور الفقهاء. فلا ينبغي أن يؤخذ بها إلا في حالات الحرج الشديد الذي لا يُتحمل.
وإن كلمة «الحرج» مجملة إن استخدمت في الفتاوى بهذا الإجمال, فإن ذلك ربما يفتح الباب لتفسيرها من كل أحد حسبما يراه ويهواه, وأن يأخذ بالرخصة دون حرج حقيقي شديد.
وعلى هذا الأساس, فإني أقترح أن تُعقد لهذه المسألة ندوة خاصة يُدعى إليها أئمة تلك المناطق الذين عندهم معرفة تامة بأوضاع الساكنين فيها, ومدى المشقة والحرج الذي يعانون منها, وكذلك يُدعى فيها المهتمون بالدين من خبراء علم الفلك, وإن هذه الندوة تُعين تلك المناطق على أساس المدة المتبقية من الليل بعد غياب الشفق, فإن ثبت أن الحرج فيها دائم يعم المصلين كلهم, فيمكن أن يُعاد النظر في هذا القرار. والله سبحانه وتعالى أعلم, وهو الموفق للسداد والصواب.