إنّ الله مع الصّابرين [ البقرة: 153 ] فكذلك أمر الله تعالى بني إسرائيل بالاستعانة بالصّبر والصّلاة على جميع الطاعة ، ثم أفرد الصّلاة من بين الطاعة، فقال: { واستعينوا بالصبر والصّلاة وإنّها لكبيرةٌ إلاّ على الخاشعين } (1)
(1) قال القرطبي: ( الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع: والخشوع هيئة في النّفس يظهر منها في ا لجوارح سكون وتواضع ، وقال قتادة: الخشوع في القلب وهو الخوف وغضّ البصر …قال النّخعي: ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرّأس ، لكنّ الخشوع أن ترى الشّريف والدّنيء في الحقّ سواء ، وتخشع في كلّ فرض افترض عليك ، ونظر عمر بن الخطّاب إلى شابّ قد نكس رأسه فقال: يا هذا ارفع رأسك فإنّ الخشوع لا يزيد على مافي القلب ..فمن أظهر للنّاس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنّما أظهر نفاقًا على نفاق ، قال سهل بن عبدالله: لا يكون خاشعًا حتّى تخشع كلّ شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى: { تقشعرّ منه جلود الّذين يخشون ربّهم } قلت: هذا هو الخشوع المحمود لأنّ الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظّاهر فلا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقًا متأدّبًا متذلّلًا ..وأمّا المذموم فتكلّفه والتّباكي ومطأطأة الرّأس كما يفعله الجهّال ليُرَوا بعين البرّ والإجلال وذلك خدعٌ من الشّيطان وتسويلٌ من النّفس ) بتصرّف من تفسيره 1 / 252 ، والضّمير في: ( إنّها ) عائد إلى الصّلاة ، وقيل عائد إلى الوصيّة المتقدّمة لهذه الآية ، رجّح ابن جرير الأوّل ، وأشار ابن كثير للثّاني وقوّاه احتمالًا ، وذكر له شواهد ثمّ قال: ( وعلى أيّ حال فقوله تعالى: { وإنّها لكبيرة } أي مشقّة ثقيلة …والآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنّهم لم يُقصدوا بها على سبيل التّخصيص وإنّما هي عامّةٌ لهم ولغيرهم ) ثمّ قال: ( الخاشعين الذّين يعلمون أنّهم ملاقوا ربّهم وأنّهم محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه وراجعون إليه أي أمورهم راجعةٌ إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله ، فلهذا لمّا أيقنوا بالمعاد والجزاء سهُل عليهم فعل الطّاعات وترك المنكرات ) ملخّصًا من تفسيره 1 / 90 ـ 91 .