أيها الصائمون: إن التجارة ينتظرون المواسم لعظيم الرواج فيها فإذا جاءت تلك المواسم شمروا عن ساعد الجد في أعمال التجارةة، واستحضروا من الأصناف أجودها وأعلاها واختاروا من الألوان أجملها وأحسنها، يسوقهم إلى هذا رجاء الربح، وقد تحملهم شدة الحرص عليه إلى التضحية براحتهم، ومفارقة الأهل والأحباب والإخوان والأوطان، ويركبون البحار ويتعرضون للأخطار والمخاوف، ويقطعون الطرق الوعرة، وليس فيها إلا أسد ضار أو قاطع طريق، أو لص محتال.
يركبون ذلك كله غير مبالين بما ينالهم من مشقة وعناء، بل يستسهلون في سبيل الربح العظيم من الصعاب مواصلين في ذلك الأيام والليالي، ولا عجب في تحمل التجار هذه المشاق؛ فإن من ذاق لذة الربح هانت لديه جميع الشدائد، وسهلت عليه كل المتاعب، تلكم حال تجار الدنيا الذين يطلبون ربحًا غير مضمون؛ فقد يكون وقد لا يكون وعلى فرض أنهم ربحوا الدنيا بأسرهم فالفناء مآلهم، والزوال مصير ما يربحون.
وكما أن للدنيا تجارًا مجدين منهمكين، فللآخرة تجارُ أمناء صادقون، أوفياء رحماء مخلصون، قال تعالى [رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] [1] ، فلا هم بتجارة الدنيا يفتنون، ولا هم عليها وحدها يعولون وإنما عولوا على التجارة بخالص الأعمال مع الغني الكريم الجواد الرحيم، الذي لا غش في التجارة معه ولا خسارة ولا كساد، بل هي تجارة مأمونة رابحة رائجة لن تبور.
(1) سورة النور الآيتان 37، 38.