الصفحة 17 من 173

فالله الله إذا قام العدل بين المسلمين، فالسعيد من عدل، والشقي من ظلم، العادل راضية عنه نفسه، محب له ربه، راضي عنه قومه، والظالم أحل لنفسه شيئًا حرمه الله على نفسه وهو الظلم، فنفسه به شقية، والبشرية منه في بلية، عقاب الله له بالمرصاد: في الدنيا زوال والعز وخراب الديار، وفي الآخرة النار، وبئس القرار، العادل لا يراعى إلا الله في عمله، فلا يحابي أحدًا من الخلق؛ فإن دُعي إلى الشهادة أقامها بالقسطاس المستقيم لا يفرق فيها بين العدو والحميم، وإن دُعي إلى منصة القضاء استضعف الظلمة الأقوياء حتى ينتصر منهم للضعفاء، لا يفضل خصمًا لماله وجاهه، بل كل الخصوم أمامه سواء حتى يقضي بينهم بالحق، ويعطي كلًا ما استحق، سلطان الله قائم في نفسه، لا يخضع إلا لأمره، يد الله تؤيده، وجند الله يمده، أولئك عباد الله المخلصون، أولئك حزب الله المفلحون، أولئك الذين تقوى بهم الدولة، وتعزّبهم الأمة، فتعيش عيشة راضية أفرادها وجماعاتها، فقراؤها وأغنياؤها، ضعفاؤها وأقوياؤها يعيشون على أنفسهم مطمئنين، وعلى أموالهم وأعراضهم آمنين [1] ، وهم الذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] [2] .

ومن نماذج العدل الرائعة ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جاءه، رجل من أهل مصر وكان قبطيًا وقال له: يا أمير المؤمنين، سابقت على فرسٍ ابنًا لعمرو بن العاص فسبقته، فجعل يقمعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين، فبلغ ذلك أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن، فانطلقت منه، فهذا الحين جئتك.

(1) إصلاح الوعظ الديني، ص 92.

(2) سورة المائدة من الآية 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت