( المسألة الخامسة ) ما الحكم إذا رؤي الهلال في بلد ولم ير في بلد آخر فهل رؤيته في هذا البلد تقضي بوجوب الصوم في سائر بلاد الإسلام أو لا ؟ أقول: هذه مسألة خلافيه كبيرة قديمة ، والحق فيها إن شاء الله تعالى أنه إذا رؤي الهلال في بلد أنه يلزمهم الصوم ومن اتفق معهم في المطالع ، وهو اختيار الشيخ تقي الدين وغيره من المحققين ، فإنه قال: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا ، فإن اتفقت: أي المطالع لزم الصوم وإلا فلا وهو الأصح للشافعية وقول في مذهب الإمام أحمد إهـ ، وقال ابن عبدالبر - رحمه الله -: اجمعوا على أن الرؤية لا تراعى مع البعد كالأندلس من خراسان . إهـ قلت: ويدل على رجحان هذا القول عدة أمور: منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته . فإنه قد علق الصوم بالرؤية فإذا رآه أهل بلد صاموا ويلحق بهم من اتفق معهم في المطالع ، ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه قال: حدثنا يحيى بن يحيى ، ويحيى بن إيوب وقتيبة وابن حجر ، قال: يحي بن يحي ( أخبرنا ) وقال الآخرون ( حدثنا ) إسماعيل وهو ابن جعفر عن محمد وهو ابن أبي حرملة عن كريب ( أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل عليّ رمضان وأن بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - ، ثم ذكر الهلال ، فقال متى رأيتم الهلال فقلت: رأيناه ليلة الجمعة فقال: لا ، لكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه . فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ، فقال: لا ، هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) (1) وقال النووي - رحمه الله - في ترجمته لهذا الحديث ( باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم ) وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم ) إهـ .
(1) أخرجه مسلم (2528) .