وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر منهم أبو هريرة ، فقد أخرج الفريابي في (الصيام ) وابن أبي شيبة وغيرهما عن محرر بن أبي هريرة ، عن أبيه قال ( صمتُ رمضان في السفر ، فأمرني أبو هريرة أن أعيد في أهلي ) ومحرر من التابعين ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه جماعة ، وهو يروي عن والده ، ويروي قصة وقعت له ، فهذا إسناد حسن ، والله أعلم ، ولكن هذا الأثر مقابل بغيره من الآثار ، فقد أخرج ابن أبي شيبة
وغيره عن عثمان بن العاص رضي الله عنه ، أنه قال ( الصوم أفضل ) ومثله عن أنس بسند صحيح خرجه ابن أبي شيبة
وقول آخر حكاه ابن جرير عن قوم ، أنه يجب الصيام في السفر! وهذا أغرب الأقوال
وأرجح هذا الأقوال هو مذهب الجمهور -على التفصيل الذي تقدم - ، لأنه فعل الرسول صلى الله عليه وسلم .والله أعلم
قوله ( ولمريض يخاف الضرر ) لقول الله تعالى (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)
وبالإجماع حكاه ابن قدامة رحمه الله تعالى.
مسألة ضابط المرض الذي يبيح الفطر أقوال لأهل العلم
الأول: أنه المرض الذي يطيق صاحبه معه القيام لصلاته ، حكاه ابن جرير عن الحسن وإبراهيم بن مسلم
الثاني: كل مرض يُسمى مرضا ، لأن الآية أطلقت ، فكل ما وقع عليه اسم المرض ، فلصاحبه أن يفطر ، وإن كان الصيام لا يشق عليه ، كمن كان به جرح في اصبعه أو نحوه ، وهو مذهب ابن سيرين ، والظاهرية
الثالث: هو ما يلحق به المريض مشقة في صيامه ، سواء من زيادة مرض أو تأخر برء ، وهو الراجح
لقوله تعالى (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) .
واعلم أن المريض الذي يخشى المرض بالصيام ، كالمريض الذي يخاف زيادته في إباحة الفطر ، لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض ، فالصحيح الخائف من المرض بالصيام في معناه ، والله أعلم