وهذا البُخْل عندما يَتَصدَّر قلبَ المرء ويتقدَّم فيه، تَجِدُه بَخِيلًا في عبادته، يَتَمَلْمَل من القيام، ويتململ من الصيام، ويتململ من النفقة، ويتململ من الصدقة، ويَشِحُّ بها، ويَشِحُّ بنفسه أن يَقِفَ بين يَدَيِ الله تعالى، أن يُتْعِب نفسَه لله - جل وعلا - شيئًا؛ فإذا أَحَسَّ بهذا، ووصل إلى هذه الحالة؛ أن يَتضايَق، وأن يتألم، وأن يَحِسَّ بالمشقة في أن يَبْذُل وقتًا لله يَقِف فيه - ليناجي ربه، وليأخذ حظَّه من جنة الدنيا المُعَجَّلة للمؤمنين - فمتى يَقِفُ بنفسه، ويَبْذِلُها لله تعالى؟ ومتى يَتَحَمَّل ذلك في جَنْبِ الله جل وعلا؟ وأي نفس هذه التي تتململ وتتأفف من الوقوف بين يدي الله؟
لذلك كان من شأنُه المشَرَّف أَنَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما سُئِلَ على الإسلام شيئًا فقال: لا. لم يحدث ذلك أبدا, بل على العكس فقد أعطى - صلى الله عليه وسلم - رجلًا واديًا من غَنَم - غنمًا بين جبلين - ما يعطيها أحدٌ؛ فرَجَع الرجل إلى قومه فقال:"أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُنْفِقُ إِنْفَاقًا، أو: يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ", نعم، لا يَخْشى الفقرَ، لا يَخْشى أنْ يَبْذُل فيَفْتَقِرَ، لا يَخشى أن يَبْذُلَ جُهْدًا فيَضِيعَ، لا يَخشى