فهذا كان اعتكافهم وهوعلى خلاف ما نحن فيه من رؤية هؤلاء المعتكفين الذين كل همهم الاستئناس بالناس والكلام وتضيع الوقت والتأخر عن الصلاة، ويأكل ويشرب شيئًا، كذا وكذا، حتى تفوته الركعات الطويلة، ثم ينام بعد ذلك كأنه قد جاهد وقتل نفسه وفعل ما لم يفعله الأولون والآخرون!
فلم تأت هذه العشر ليقول - صلى الله عليه وسلم: نريد أن ننام قليلا، نريد أن نستريح قليلا! إنما كانت راحته وسعادته في أن يكون قائما لربه، كما ذكر تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] ، وكما قال هو - صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ قُرَّة عَيْنِي فِي الصَّلاةِ» [1] لا يكون قرير العين ولا يكون سعيدا، ولا يكون أبدا مسرورا إلا في هذه الصلاة التي يتكاسل عنها الناس، والتي يودون أن يتخففوا منها بألا يقوموا فيها!
(1) رواه الإمام أحمد في مسنده (13623) والنسائي (3940) وحسنه ابن حجر في فتح الباري (11/ 353) وصححه ابن القيم في زاد المعاد (1/ 45) .