ومعلوم أن المال عزيز في النفس، وأن الإنسان يشح بماله ويحب المال، كما في قوله تعالى: ? وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ? [ سورة الفجر، الآية: 20 ] ولكن إذا عرف أن ربه يحب منه أن يبذل هذا المال، وينفقه في مرضاته؛ هانت عليه كل النفقات في سبيل الله، وفي ذات الله، وإذا عرف أن ربه يحب النفقة في هذا الوجه، وأنفق فيها، كان ذلك لذة وراحة وسلوى ومحبة، وأمرا محبوبا عنده؛ لأنه يعرف أن ربه يضاعف له هذا العمل أضعافا كثيرة، ويعرف أن هذه الذبيحة التي يذبحها يجد أجرها أضعافا مضاعفة.
كما أنه قد هانت عليه النفقة التي أنفقها من حين خرج من بلاده إلى أن رجع إليها; لأنها نفقة في طاعة الله، يرجو أن يكون ثوابها عند الله تعالى أضعافا مضاعفة. فهذا ونحوه مما يبين أن على الإنسان أن يكون ممتثلا لأمر الله سبحانه وتعالى في جميع حالاته، قبل الحج وبعده، وليس في أيام الحج فقط.
بعد ذلك يستمر الحجاج في إكمال مناسكهم فيبقون أيام التشريق يذكرون الله ويكثرون من ذكره وشكره، ويكملون رمي الجمرات التي أمر الله تعالى بها، وبيّنها النبي -صلى الله عليه وسلم- كل ذلك يفعله الحاج امتثالا لأمر الله.
وإذا عرف الإنسان الحكمة في هذه الأوامر والمنافع والفوائد التي في هذه المناسك، عرف أن الله سبحانه وتعالى ما أمر إلا بما فيه مصلحة ومنفعة، فاطمئن إلى شرع الله، وعرف حكمته في كل الأوامر.
نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا، ويرزقنا علما نافعا، وأن يرزقنا حجا مبرورا، وعملا صالحا مقبولا. ونسأله تعالى أن يجعل سعينا مشكورا، وأن يضاعف لنا الأجور، ونسأله أن يتقبل منا أعمالنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، ويرفع لنا درجاتنا، ويجزل لنا المثوبة، ويجعلنا جميعا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.