فأما استدلاله بقوله تعالى: [ ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ? وقوله: لفظ أيها بالذات في لغة العرب، لا يقال إلا عند المواجهة، والشاهد لا يكون عن غيبة بل لا بد من حضور ] .
فالمتبادر أنه يقصد أحد أمرين:
أحدهما: أن الله خاطبه وهو حاضر شاهد عنده، بأن كشف له الأستار، وقربه من حضرة القدس، وخاطبه كفاحا بلا واسطة ملك ولا غيره، وهذا ليس على إطلاقه، فإن الآيات التي فيها نداء النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في القرآن كثيرة، ومعلوم أنها نزلت كغيرها بواسطة الملك وحيا من الله إليه، كما في قوله تعالى: ? نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ? [ سورة الشّعراء، الآية: 193 ] .
الثاني: أن يقصد أننا متى قرأنا هذه الآية، فإنا نخاطب الرسول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كأنا نراه مواجهة ومقابلة، وأنه شاهد عندنا حاضر ليس بغائب، فيفيد ذلك أنه حي لم يمت، وأنه يسمع كل من خاطبه بهذه الآية أو غيرها، وأنه شاهد مع كل أحد في كل مكان، متى ناداه وخاطبه سمعه وأجابه، وأن هذا الوصف يعم كل ولي وصالح من أكابر الصوفية، ونحوهم، وهذا لا يصح، فلفظ (أيها) : ليس خاصا كما قال هذا بالمواجهة؛ بل إن الله خاطب نبيَّه بهذه الآيات الكثيرة آمرا له بما أرسله به، وما كلفه به من البشارة، والنذارة، والتبليغ، والبيان، وكل ذلك أنزله بواسطة ملك الوحي، فالخطاب بواسطة يناسب فيه لفظ (أيها) فلا تدل على استلزام مواجهة، ومقابلة.