فنقول: إن أراد التمتع والتلذذ بتدبر القرآن وتعلقه بحيث يعده خطابا من ربه إليه، فهذا حق وصواب، فإن الله تعالى أمر بذلك كما في قوله: ? لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه ? [ سورة ص، الآية: 29 ] وقوله: ? أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ? [ سورة المؤمنون، الآية: 68 ] . لكن ليس من شرط هذا التمتع خلوة، أو انفراد، بل يحصل التلذذ بتدبره في الصلاة، وبين الناس.
فأما إن أراد التمتع بلذيذ خطاب ربه وسماع كلامه منه إليه، وأن أهل الأحوال تتصل قلوبهم بالملأ الأعلى، ويناجون الله ويكلمهم ويكلمونه، ونحو ذلك، فكل ما يقولون في هذا الباب هوس ووحي شيطان، فإن الله تعالى خص أنبياءه بوحيه وخص موسى بالتكليم، كما قال تعالى:
? وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ? [ سورة النّساء، الآية: 164 ] . وكذلك نبينا ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ليلة المعراج، وقد قال تعالى: ? وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ? [ سورة الشّورى، الآية: 51 ] .
وهذا الكاتب قد ذكر أن الصوفية ترفع عنهم الحجب والأستار، ويناجون ربهم ويتلذذون بكلامه، ومعنى هذا: أنهم فاقوا كثيرا من الأنبياء والرسل، الذين هم الواسطة بين الله وبين العباد، فإن الرسل إنما يوحي الله إليهم وحيا، أو يرسل إليهم رسولا ملكيا أو يكلمهم من وراء حجاب، كما في نص هذه الآية، أما الصوفية في زعم هذا الكاتب فإنها ترفع لهم الحجب، وتخترق قلوبهم الأستار، وتتصل بالملأ الأعلى، وتسمع خطاب الرب تعالى مباشرة، و تتمتع بلذيذ ذلك الخطاب، فهل بعد هذا الغلو والرفع لمقامهم من زيادة ؟! سبحان ربنا الأعلى !!