1737 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَليٍّ رَضِي الله عَنْه قَال مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلا كِتَابُ اللهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلى كَذَا مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ وَقَال ذِمَّةُ المُسْلمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلمًا فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ وَمَنْ تَوَلى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليهِ فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ قَال أبو عَبْد اللهِ عَدْلٌ فِدَاءٌ (1)
(1) هذا حديث عظيم وذلك أنه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعهد إلى علي بالخلافة وقال أنت الخليفة ، فكان الناس يأتون علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويقولون هل أفضى إليكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء هل خصكم بشيء ؟ فيقول: لا ، ولقد أقسم مرة فقال: لا .. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصني بشيء إلا ما في هذه الصحيفة . ويقرأ .
وأما قول الرافضة إنه عهد إليه بالخلافة وأن أبا بكر وعمر خانا وغدرا وغصبا وظلما . فقولهم باطل ، هذا الواقع ، علي بن أبي طالب بايع عمر وبايع عثمان ، قال الإمام أحمد: من طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله . ولهذا أجمع المسلمون على أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي .
ذكر في الحديث: ( إِلا كِتَابُ اللهِ عز وجل ) القرآن ، الذي أجمع المسلمون عليه صاغرًا عن كابر . قال العلماء: ومن أنكر حرفًا من القرآن مما اتفق عليه القراء فهو كافر . أما ما اختلف فيه القراء فإنه لا يكفر لإمكان التأويل ؛ لأنه في بعض الأحيان يكون فيه قراءة بالواو وقراءة بإسقاط الواو مثلًا . مثل في البقرة قال: { قالوا اتخذ الله ولدًا } أضافوا واو { وقالوا اتخذ الله ولدًا } وله نظائر . لكن الذي أجمع عليه المسلمون إذا أنكر الإنسان حرفًا واحدًا كفر فكيف إذا أنكر كلمة ؟ فكيف إذا أنكر سورة ؟ فكيف إذا أنكر سورة في القرآن كما تقول الرافضة ، يقول بعضهم: إن ثلث القرآن مكتوب ـ والعياذ بالله ـ لكن هذا لا أظنه إجماعًا منهم .
( الصحيفة ) يقول: ( عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلى كَذَا ) عائر هو عير ، وإلى كذا فُسرت في أحاديث الفقهاء بأنها ثور ، والمسافة بينهما بريد . ( مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) أحدث: بنفسه ، آوى محدثًا: يعني تكتم عليه وتستر عليه وإن كان هذا المحدث قد قدم من غير المدينة فإذا استقبله وآواه وكتمه دخل في اللعن ـ والعياذ بالله ـ وهذه المسألة فرد من أفراد أن من أعان على شيء فله مثل من أعان عليه أو عقوبته ، فالذي يُؤوي المُحدث كاتم كأنه هو الذي أحدث ؛ لأنه أعانه على الإثم والعدوان .
ش21 ـ وجه أ:
( لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ ) صرف يعني صرف العذاب عنه بدون مقابل ، ولا عدل أي بمقابل ، يعني لو طلب أن يُشفع له ويُرفع عنه العذاب لا يُقبل ، لو طلب أن يُسلم فداءً لا يُقبل ، نسأل الله العافية .
وَقَال عليه الصلاة والسلام: ( ذِمَّةُ المُسْلمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلمًا فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ذمة يعني عهد ، بمعنى أنه إذا عاهد أحد المسلمين رجلًا من الكفار فهو ماضٍ على الجميع كما قال في حديث آخر: (( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ) )فلا يحل لأحد أن يغدر بهذا المعاهد أو يقتله حتى ولو كان كافر ، ما دام دخل بأمان رجل من المسلمين فهو محفوظ محترم ، فكيف إذا دخل بأمان ولاة الأمر يكون محترمًا أو لا ؟ أشد وأقوى ، ولهذا من الخبل والسفه والجهل الذين يعتدون على السواح في البلاد الأخرى يقتلونهم أو يعتدون عليهم ، هذا إخفار للذمة وذمة المسلمين واحدة ، حتى لو رأيت مع مسلم كافرًا فإنه محروس . لكن إذا منعه ولاة الأمور الذمم إلا من خلال الحكومة ، فماذا يكون ؟ يكون هذا الذي أعطاه الذمة معتديًا لا حرمة له . وهذا ـ أعني لزوم ما يقرره ولي الأمر في عدم إعطاء الذمة لأحد ـ هذا هو المتعين في الوقت الحاضر . لماذا ؟ لأن أي واحد يشوف كافر ملحد على الحدود يقول تعال أنا أُعطيك الذمة والعهد ، ثم يدخل ويقول لا أحد يؤذيه ! ما يصير .
مثال لهذا: الآن من دخلوا بإذن ولي الأمر فلهم الذمة لا يجوز إخفارهم ، من دخل بذمة ولي غير ولي الأمر فإنه محروس إلا إذا علمنا أن نظام الدولة لا يسمح بإدخال كافر وتأمينه إلا من قِبل الدولة فهنا لو أن أحدًا أعطاه الذمة فعطيته إياه لا تُقبل ولا يُعتد بها .
( فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلمًا فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ ) ذكرنا هنا بحثًا مهما: إذا كان هذا فيمن أخفر مسلمًا فيمن عاهده فكيف بمن أخفر ذمة ولي الأمر؟ يكون أشد لما فيه من العدوان وإخفار الذمة ولكونه أمن . معاهدة الواحد من الناس ممنوعة نظامًا والشرع يقتضي ذلك ؛ لأنه لو فُتح المجال لكل إنسان أن يدخل ، يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا بعهد لحصل شر كثير ، فانتبهوا لمثل هذا .
( وَمَنْ تَوَلى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليهِ ) يعني كعتيق أعتقه آل فلان فتولى إياه أخذه بغير إذن مواليه فعليه هذا الوعيد . ومفهوم قوله ( بغير إذن مواليه ) أنه إذا كان بإذن مواليه فلا بأس ، وفي هذا إشكال لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يوهب ولا يُورث ولا يُباع ، فهذا فيه إشكال ولهذا الشارح يحله إن شاء الله .
تعليق من فتح الباري ج: 4 ص: 86
قوله: ( ومن يتولى قوما بغير إذن مواليه ) لم يجعل الإذن شرطا لجواز الادعاء وإنما هو لتأكيد التحريم ؛ لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ذلك ، قاله الخطابي وغيره ، ويحتمل أن يكون كنى بذلك عن بيعه فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني ، وهو غير مولاه الأول ، أو المراد موالاة الحلف ، فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلا بإذن .
وقال البيضاوي: الظاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله من ادعى إلى غير أبيه ، والجمع بينهما بالوعيد فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب فإذا نُسب من هو له كان كالدعى الذي تبرا عمن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة . ثم أجاب عن الإذن بنحو ما تقدم وقال: ليس هو التقييد وإنما هو للتنبيه على ما هو المانع وهو إبطال حق مواليه . فأورد الكلام على ما هو الغالب وسيأتى البحث في ذلك في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى .
الشيخ: أولًا السياق الذي معنا ليس فيه ( من ادعى إلى غير أبيه ) ليس فيه هذا . لكن حمله على ولاية العهد هو أقرب شيء لأنه في سياق المعاهدة فهو أقرب شيء فيكون إذا انتقل إلى ولاية معاهدة مع قوم: ( بغير إذن مواليه ) استحق هذا الواجب .
سؤال: ما اتضح هذا عندي ؟
الجواب: مايحتاج يعني مثلًا فيما سبق يكون بين الإنسان وبين قبيلة من القبائل معاهدة يدخلون في عهده ، دخل في عهده ، كما فعل خزاعة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديبية . فإذا دخل في عهدهم فإنه لا يحل أن ينتقل إلى ولاء آخرين إلا بإذن هؤلاء وحينئذٍ لا إشكال .
سؤال: مر معنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمسجده في المدينة ، هناك سؤال يتعلق ببناء المساجد في بلاد الكفار أن بعض الهيئات الحكومية والخاصة تتبرع للمسلمين بترميم المساجد أو حتى في بنائها ، فهل يجوز للمسلمين أن يأخذوا هذه التبرعات بدون قيد أو شرط؟
الجواب: يعني معناه صندوق وضع للتبرع لبناء المساجد في بلاد الكفار؟
السائل: الصورة كما يلي يا شيخ: في مسجد الآن المدرسون في الجامعة استحسنوا تصرفات المسلمين ورغبوا أن يساعدوا المسلمين في إعادة ترميم المسجد ، فهذه هي القضية .
الجواب: أنا لا أرى مانعًا أن يقوم كافر ببناء مسجد أو المساعدة فيه بشرط أن لا يكون بذلك إلا للمسلمين ، بمعنى أنه يمن عليهم كلما صار شيء قال أنا فعلت أنا فعلت . لأن هذا عمل طيب ، ولكن هل لهذا الكافر أجره ؟ الجواب: إن أسلم جُزئ عليه ، أُثيب ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( أسلمت على ما أسلفت من الخير ) ). وأما إن مات على الكفر تجده قد يثاب عليه في الدنيا في زيادة المال أو الأولاد أو ما أشبه ذلك ، وقد لا يثاب عليه .
سؤال: يا شيخ الله يحفظكم ، كيف نستأمن الكفار على أمر من أمور الدين ولا يؤمن يا شيخ مكرهم ، ثم إن المنافقين ـ مسجد الضرار مثلًا ـ حينما كانوا أرادوا أن يفتكون بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم يا شيخ في جدة الآن أحد المساجد نصارى بنوه رسموا صورًا يا شيخ ، ثم أحدهم أسلم وكنا لا نعرف هذه الصور فبين والحمد لله الصور ؟
الجواب: إذا فيه هذا الشيء مباح ليس معناه يباح في كل حال ، إذا اقترن به ما أرادوا البيع والشراء ، مباح أو حرام ؟
السائل: مباح .
الجواب: مباح ؟ ما الدليل ؟
السائل: أحل الله البيع وحرم الربا .
الجواب: أحله الله ، طيب .. إذا لزم من هذا البيع الوقوع في إثم مثل أن نبيع السلاح على قطاع الطريق ، يجوز أو لا ؟ ما يجوز . انتبهوا لهذه القاعدة يا إخوان: إذا قيل الشيئ مباح ليس معناه على كل حال ، المباح خاصة تجري فيه الأحكام الخمسة: واجب ، وحرام ، ومكروه ، ومستحب . فإذا قلنا يجوز أن يشارك النصارى في بناء المساجد أو إعمار المساجد ، ليس معنى ذلك أن نقول يجوز أن يضعوا صورة مريم وصورة عيسى في المسجد أو أن يبنوه على صورة كنيسة ، لا .. الذي يتولى بناءه المسلمون .
سؤال: الآن يوجد في بعض بلاد المسلمين نصارى يبنون مدارس لتحفيظ القرآن الكريم ، الآن الشعوب يرون أنهم يفعلون خيرًا المسلمون ما بنوا ، هؤلاء جاءوا وبنوا مدارس لتحفيظ القرآن ؟
الجواب: هذا طيب إلا إذا دخلوا دينهم قد يدسون فيه السم ، قد يدسون في هذه المدارس عقائد النصارى .
السائل: يأتون بالقرآن فقط لكن خائفين أن يكون وراءهم كل شيء .
الجواب: الحمد لله إذا صار شيء منعناهم .
السائل: ما نمنعهم الآن ؟
الجواب: لا نمنعهم إذا كانوا يفعلون الخير وليس فيه أدنى شبهة .